Skip to main content

Full text of "هؤلاء عرفتهم -(نسخة ثانية أوضح) عباس خضر"

See other formats


هؤلاء عرفتهم 


كلمة 
لا أقصد بهذه الفصول دراسة كاملة لمؤلاء الذين سعدت بمعرفة أشخاصهم . 
قد يكون بها بعض الملامح الدراسية من بعض النواحى » ولكن القصد إنما هو 
تصوير احتكاكى بهم وانعكاسهم على تفسى ٠.‏ 1 
عباس خضر ‏ 


حوالى سنة 146٠‏ - على ما أذكر - كان طه حسين باشا على أبواب الوزارة : 
وزارة: المعارف - كا كانت' تسمى إذ ذاك وزارة التربية والتعليم س ركنت أكتب 
الباب الأسبوعى فى مخلة الرسالة : «الأدب والفن فى أسبوع » وأسرفت كا أسرف, 
كثير غيرى فى مدح الرجل إسرافا أكثر من اللازم : «الواقع أن وجود كاتب 
معروف بأفكاره التقدمية الشعبية بوزارة المعارف التى كانت تنوه لالمعوقات 
للمعارف كان داعئ استبشار وتقاؤل » ولكن الحق الصريح أن مسبألة الإسراف » 
أو إسراق أناكيا أعرفه فى مدح الوزير :-كان.فيها عتصر شخصى . . كنت موظفاً 
مبتدثاً فى تلك الوزارة وكانت نفسى تعالى الكثير مما يرفع الموظتف ويتيلم الترقيات 
والدرجات الاستثنائية » ولعل طموحى كان فى الناحية الأخرى التى يركض فيها 
القلم ؛ أوقل إفى فلاح خشن الطبع لا يروق الرؤساء ومن بملكون الأموز » وكان 


١ /ا‎ 


بى عزوف عن موارد السياسة الحزبية . 

فوجدت ق عله تحسق الأدبب» سلما للرق لاثقاً مغل . . “كان ذلك فى أعاق 
أراه الآن وإن كان يغيم على فى ذلك الوقت » فى فورة من الشباب اختلط فيها 
الباطل بالصحيح . 

وأذكر أن كاتباً عراقياً أخذ علينا - نحن المصر بين - أن نبلل ذلك التبليل وقال 
ما معناه : على رسلكم يا قوم . . أية وزارة وأ متصب وأى "لقب برف شأن طه 
حسين ؟ إن لقبه الخالد ليس صاحب للعالى وإنما هو «صاحب الأيام» . 

سجن ليلد » ركنا لحرا ماعن فيد ,لها قن ذائهاً نمب أن يكوق نا من 
نكيل له الكيل الجزاف وفى الوجه الآخر من لا نراه . 

وكات يسيل لعالى ما يتردد من أن طه حسين بحر متلاطم الأمواج فى الإفاضة 
على من بحب من الأشخاص » كا هو بحر فى العلوم والآداب . والدليل على ذلك 
فلان وفلان ممن رقاهم ومنحهم أعلى الإرجات . 

راك ل أكن غرف له حنين شخصيا » ول ألقه قط إلافى كاه وإتاجه 
الأدبى . وتساءلت فا بي وبين نفسى : ترى ما صدى ما أكتبه عنه فى نفسه ؟ 
وهل أزال أثركتابات أخرى سابقة سخرت منه فيا » وكان منها نص عيرت عليه 
فى كتاب والبيان والتبيين» للجاحظ يتضمن تكراراً كالذى بصنعه كاتبنا فى كتايته . 
وكان يكثر منه جداً فى ذلك الحين . وقال الحاحظ فى ذلك التكرار : إن هذا من ١‏ 
العى . . أوردت ذلك النص دليلاً على أن تكرار طه حسين من العى . 

واتصلت تليفونياً بمنزل الوزير طه حسين » فرد على السكرتير الخاض . وقلت 
إفى أريد مقابلة الوزير لاجراء حديث أدبى صحن مجلة الرسالة . وجاءنى بعد هنيية 
صوت السكرتير يحدد لى الميْعاد . 

وف الموعد بالضيط » إذكانت المواصلات العامة لم تفسد بعد » كنت بمنزله 


القديم فى الزمالك ؛» وكان هو فى الانتظار محجرة المكتبة . 

تزودت منه للرسالة بمحصول طيب » أذكر منه إجابته على سؤال : ماذا فعلت 
أوماذا ستفعل للأدب والأدباء وأنت وزير؟ قال : «إفى أعد للأدباء جيلاً يقرأ 
هم» » أكانت هذه من نياته الحسنة فيا يدعو إليه ويعمل له من أن يكون التعا 
كالماء والهواء متاحا للجميع : ولكن - غفر الله له - لم يتحقق ذلك » فقد انتشر 
التعلبم ولكن لم يوجد قراء للأدب : 

قال لى : لقد ترودت للرسالة بما فيه الكفاية » وأريد أن أسألك عن 
أحوالك . . وأجبت » فأبدى دهشته من أن أظل فى الدرجة السادسة - درجة 
التعين لحملة المؤهلات العليا - سبع سنين » فسررت جداً وقلت فى تفسى : هذا 
بشير طيب . وسرفى أكثر قوله لى : إفى أقرأ ما تكتب وأحب أن توالى هذا النقد 
وخاصة فما يتعلق بوزارة المعارف ووزير المعارف . شْ 

سرق قاك وذلك وأنا تدوع بالكلام نكسن الذى. ل أر له تطبيقاً بعد . . 
أما الدرجة فقد مكثت بها واقفأ فى «الطابور» حبّى وصلت إلى الئامسة: من 
«الطابور: . وأما النقد فقد تبين لى أن المقصود به دوام الثناء » وعلى الأقل المدح 
ما يشبه الذم ! 

وجدت شيئاً فى تلك المقابلة لم أحمده له فيا بعد. إذ قدم لى سيجارة » 
فاعتذرت بأنى لا أدخن » فقال فى هجة لم أدرك تماماً أهى جدية أم هزلية كيف 
تكون أديباً ولا تدخن ؟ خذ » عفر . وأردت بدافع داخلى ساذج أن أثبت أفى 
أديب » فأخذت :وعفرت . وعقب خروجى من عنده اشتريت علبة :سجائر » 
وجعلت أغفر حبّى دحت . . . فرميت بقية العلبة وأنا أقول وقد زايلتنى السذاجة : 
لاء إف أديب بدون هذه «الدوحة؛ التى كان يمكن احيّاها وأنا صغير أحاكى 
” الكباز وأريد أن أكون رجلاً . . ولم أكن إذ ذاك استطيع أن أشترى السجائر » فلا 


1 


كبرت. واسنتلعت كنث: قد. عقلت . 
بقيت فى الدرجة السادسة » وأعلن الوزير - فى تصريح من تصريحات الوزراء 
الخالدة - أنه لن يتبع طريقة الاستثناء الت كان يتتخذها الوزراء ذريعة لمنح الأتباع 
والأصهار وسائر السائرين فى الركاب . فقلت لا بأس ,- المساوآة فى لظم عدل إن 
صح أن يكون حرمانى من الدرجة الاستئنائية ظلماً » وماذا على إن بقيت فى 
لبور ؟ ولكنى خظت بعد ذلك أن فلا أذ درجة اثالية ور لبر الجر ... 
رأيت أن أريح مخى من ذلك وخاصة أن «مهرى؛ صغير لم يدرب على الجرى فى 
حلبة السباق التى تجرى فيبا أفراس هؤلاء اللدربة على معرفة من أين تؤكل الكتف 
م عرفت أن تصريحات الوزداء ليست 0 مقدسة , 
وقلت لنفسن كا أقول دائاً : عد عن ذا » فلك فى ميدان الأدب والقلم 
ما يغنيك عن تلك الأشياء . وم أجد فى هذا الميدان مايغنى » ولكن الأمل 
م بتقطع ولن . . : 
وصرفت همى إلى القراءة والكتابة » وخاصة أن العمل بإدارة الثقافة ما هو 
إلا بطالة مقئعة » وكأننا معينون عن طريق توزيع القوى العاملة » و« العاملة) مجحاز 
قرينته الضدية . 
: ولكننا فوجئنا بالمدير العام «الدكتور سلمان حزين» يحم علينا واترنيد ولا 
المواعيد الرسمية » ومع هذا لاا عمل . ,ضاقنا ذرعاً هذه ( الخنيلة ) العقيم وبأشياء 
أخرى . . . نذكرت ما قاله لى.الوزير طه حسين : أن أستكثر من ن النقد وخاصة فيا 
يتعلق بوزارة المعارف «ونقدت ماأراه نقداً لاذعاً تناوك شخص الرئيس 
وتضرفاته . . وخيم السكون المشفق على من قبل الزملاء . 2 
وذات يوم يصانى استدعاء تليفونى لمقابلة معالى الوزير» عرفت فما بعد .أنه 
حدث مايأ : 


1١ 


عرض الدكتور سلهان حزين على الوزير أمراً بنقى مدرساً للغة العربية بمدرسة 
السعيدية الثانوية » والمفروض أننا لائذون من التدريس بإدارة الثقافة » وكان 
سلوان حزين أثيراً لدى طه حسين » يعرض عليه الأمور مباشرة » أى عن غير 
طريق وكيل الوزارة كا يقضى ببذا الروتين . ش 

قال لى صديق محمد سعيد العريان أحد أساطين مكتب الوزير » قال إنه قال 
للوزير هامساً هذا المدرس هو عباس خضر «بتاع الرسالة» . 

هز الوزير راسه ووضع يديه بعضه| فوق بعض على فخذه » كعادته عندما يتنبه 
لأمرء قال : دع هذا الأمر يا دكتور حزين الآن » وأرسل لى عباس خضر. 

لم يرسلنى سلوان حزين » وإنما بلغت الاستدعاء من مكتب الوزير. ' ١‏ 

قال لى طه حسين : أنا قرأت ماكتبته عن الدكتور حزين (بضم الحاء) 000 

وسكت. برهة قطعها قائلاً : أنا أعرفكم يا أدباء الثقافة » الواحد منكم 
لا يذهب إلى عمله إلا فى الساعة الحادية عشرة وينصرف ف الثانية عشيرة-ء“ثم قال 
بلهجة حاسمة : أنا قررت أجيبك هنا . . تشتغل معى » وسأريك كيف يكون 
الشغل » سشكوت كسائر الحامليئ, معي ء مساكين العاملوة معن + يتعبوك جقاً . 
وارتفعت اللهجة الحاسمة : إعلم أنك أصبحت السكرتيرٌ الصحنى لوزير المعارف » 
أنت الصلة بييى وبين الصحافة ورجال الصحافة . ٠‏ . 

وقيل لى : يجب أن تلبس طربوشا وتزرر الحاكتة حيمًا تدخل على معالى 
الوزير. وكنت: قد تخلصت من الطربوش فى الملودان » انتقلت منه إلى القبعة 
ب 

ف غارياً. ش 

00 أن أشترى طربوشاً وأضعه فى المكتب بالوزارة ولا ألبسه إلا عند 

الدخول على الوزير . إنه - كبا عرفت - يبص ر كل شىء بعين سكرتيره الخاص 


١١ 


الذى يصف له الداخل وكيف دخل و. . . إلخ » فكأنه براه » وهو يتم بمثل هذه 
الشكليات » بل هى عنده جواهر لا شكليات . 

وهو- كا عرفت أيضا - يغضب جدا من يشير إلى كف بصره أو يتصرف معه 
على أنه كفيف البصر. وقد حدثنا فى كتابه ( الأيام » أنه كان يحزن ويغور عندما يؤنبه 
أسد المفايخ فى الأزهر بقوله 4 با أعنهى . ولا أنسى يوما تظاهر فيه بعض المدرسين 
خارج مكتبه بالوزاره » إذ رفض أن يقابلهم » فهتفوا : «ليسقط الوزير الأعمى » 
ففضب غضباً شديداً ما رأيته فى مثله » وخرج إليهم متفعلاً أشد انفعال وقال لهم 
فوا قال : «إفى أحيد الله على أن لا أرى وجوهكم !. 

لا انتبت مدة خدمتى بمكتب الوزير طلقت الطربوش طلاقاً بائناً لا رجعة 
فيه » قطعته ورميته فى سلة المهملات » ولكنه لم يدعنى بعد ذلك . بل ظل فى 
أحلامى غير السعيدة » يراودنى فى أشباه الكوابيس » ويدور صراع بيى وبينه 
لا ينتبى إلا بالاستيقاظ . 

أخدت لتسألة جداً فى أوك الأمرء وكنت أركراق المشيرء وو اتواجد» فى 
مكتى داما . . ولكنى شيئاً فشياً عرفت أن المسألة ليست جدية » أوقل إفى م 
أعرف أن أجعلها جدية بحيث أستفيد من هذا المركز ؛ بل على العكس من ذلك 
كنت «عبيطاً» جداً والواة قع أفى كنت سعيدا فى أعاق نفسى بهذا الفضل » وماكان 
أشد ضيق بل احتقارى لمؤلاء الساعين إلى مودق ؛ منهم من عرفت قدياً ولم أرهم 
من قديم . ومنهم من لم أعرف وهم الآن يخطبون ودى . ومع هؤلاء وهؤلاء لم أشعر 
أفى - أنا - موجود ولكن الموجود والمقصود هو السكرتير الصحنى لعالى وزير 
المعارف , ْ 

أعرف من أين تؤكل الكتف . .. أمر واحد استفدته من وجودى هتاك . 
وصفتى تلك » كنا نسكن فى حى السيدة زينب .روانتقلنا إلى حى شبرا » وكانت 


1 


القبيلة التى ارتحلت يتكون معظمها من ابنتين فى المرحلة الابتدائية وولدين فى روضة 
الأطفال نظام قديم» » وكان المسكن الجديد يجوار ملدرسة روض الفرج الإبندائية 
للبنات وروضتها الملحقة » وذهبت إلى الناظرة » وكلمتها فى نقل الأولاد عندها - 
فى خلال العام الدراسى - فحلفت بأغاظ الأيمان أنه لا يوجد عندها مكان لطفل 
فى أية غرفة من غرف الدراسة » وكانت المدارس قد اكتظت بالأولاد وجعل العلم 
يتدفق إلى من بالداخل كالماء والحواء » ولكن فى الخارج وف المواء الطلق كثيرون 
لا يحدون نسمة من علم . الحصول على دجاجة من الجمعية الآن أو على بضعة أمثار 
من الكستور أسهل بكثير من دخول المدرسة إذ ذاك . 

'وقيل لى فى مكتب الوزيز : مالك مهموماً ؟ قلت :-الأولاد.! قالوا بسبطة . 
وكتب أمر من معالى الوزير بقبول الأولاد جميعاً فى تلك المدرسة » وختم الأمر 
امم الوزير. وحمله ساع يركب موتوسيكلاً » وذهب به إلى المدرسة فى الحال . 
وق اليرم العالى ذهب الأولاد إلى المدرسة » فقالت لهم الناظرة : تعالوا يا حبايى 
يامن أنتم من طرف معالى الوزير ! 

كنت فى تلك الفترة قد اشتغلت محرراً جريدة الأهرام » وخففت الكتابة فى 
يحلة الرسالة إذ جعلت الباب الذى. أكتبه كل أسبوعين وجعلل الزيات أجره نصف 
أجرء وأذكر ببذه المناسبة أن الزيات كان يرحب بنش ركل ثناء على الوزير طه 
حسين » وكتب هو افتتاحيات فى ذلك » وكان صديقه وقد جاءت ولايته للوزارة 
عقب حملة ضارية عليه - أى على الزيات - وعلى الرسالة من لدن. «وشلة مملة 
الثقافة ولجنة التأليث» إسماعيل القبانى وعبد الرزاق السهورى وقد توليا وزارة 
المعارف . وكانت هذه «الشلة» وعلى رأسها أحمد أمين تنظر إلى الزيات وإى يملته 
بعيون فيبا أكثر من الشذر . . قطع اشترالة الوزارة فى الرسالة » وكاثت مشتركة فى 
عدد كبير لمكتبات المدارس » وكتب أحمد أبين ريا سيا عن كتب الزيات 


0 


يتضمن أنها غير صالحة للتقرير فى المدارس لأن أسلوب الزيات متكلف غير 
مسترسل ممالا ينبغى أن ينطبع به الناشئون فى المدارس . 

اق الوزير ظه سحسين يطليى "فى المكتب فلا يجدق + ثم لا أجد صدى. سيثاً 
هذا .. وتبين لى أنه لا همه منى إلا أن أكوق واحذاً من الذين يدافعون فى الصحافة 
5 «دولته) ويحمون حدودها . وقد صرت محرراً فى الأهرام:» فلم بعد الأمر 
مقصوراً على المساحة المحددة لمجلة الرسالة فى رقعة القراء الواسعة . 

حدث له حادث بسيط » ولكن الدنيا اهتزت له » لأنه هو نفسه أصبح يشغل 
الناس ويلا الدنيا . كان مببط أويصعد على السلم فالتوت رجله ووقع ٠‏ ثم 
اعتكف ولم يخرج » وطلبنى رئيس قسم الأخبار بالأهرام الصديق كامل الشناوى » 
' وقال لى : الدكتور طه حسين صديق الأهرام » اكتب عنه نصف عمود » اسأل 
بالتليفون عن حالته » ومن زاره من الكبراء » ومن عاللجه من الأطباء وعم إل 
ثم اكتب متمنياً له الشفاء باسم الأهرام . 

رد على السكرتير الخاص «فريد شحاته» وما إن عرف أنى أنا حتى صاح فى 
لحجة تأنيبية : «أنت فين يا أستاذ ؟ هو أنا حاشتخل سكرتير خصوصى ولا سكرتير 
صحئ ! دقلت له فى هدوء : اسمع » الذى يكلمك الآآن ليس السكرتير الصحق 
لوزي للعارك » وإنما هو يتكلم باسم الأهرام » دع هذا الكلام وأجبنى فقط عا 
أسألك عنه : من زار الباشا اليوم . . . إلخ , 
| بارا صاحبة الحلالة الصحافة . . ذات السحر والسلطان » حتّى فى أشد 
الأوقات والأزمات ! أعقب ذلك حريق القاهرة » ومنع 'التجول فى العاصمة 
مساء » وأنا أعمل فى الجريدة حتى منتصف الليل » وأمركامل الشناوى أن توصلنى 
إلى منزلى سيارة من الأهرام ومعها «تصربح صحافة » فكان جنود الجيش المرابطون 
منع التجول يعترضون طريقنا مصوبين إلينا بنادقهم هاتفين بأعل صوت وأشده * 


1 


قف ؛ من أنت ؟ نحن أبناء صاحبة الجلالة » فنكس سلاحك أيها الجندى ودعنا , 
9 ' 
احترقت القاهرة  »‏ وذهبت الوزارة وفيبا صاحبى » وشغرت بأنى قلق ف 
مكاق . 00 0 ش 
وفجأة ورد إلى أمر بالتقل إلى المدرسة الخديوية الثانوية » وماكان يخيفنا شىء 
مثل شبح التدريس » فنحن - الأدباء وأدعياء الأدب - مستريحون فى الوظائف 
الأخرى شي متفرغين » وعلى هذا نستطيع 'القول :إن التفرغ قد.م وإذ قايشا قد 
نظمته 'حديئاً وزارة الثقافة . 

فزغت إلى صاحبى الدكتور طه حسين : فقال لى : إلى أين ؟ قلت : إلى 
مكانى فى إدارة الثقافة . قال : هناك الدكتور حزين وهولا يريدك . قلت : فليكن 
مجمع اللغة العربية . قال : لا بأس . فلتعد إلى لجنة ديوان ابن الرومى هناك » 
وكان هو رئيس هذه اللجنة » وكام ميك رفعت باشا وزير المعارف إذ ذاك » 
فنقلت إلى المجمع . اا 2 

كنت قد جربت لبنة ديوان ابن الرومى وعرفت أن العمل معها كلا عمل . . 
وإذا اجتمعت فق الياء» أمآ فى للمماج فلا وجود لحا » فكنت أذهب 
«الأدردش» مع محمد عبد الحليم عبد الله وأستمع إلى ما جد من قصصه ونحن 
نتشمس شتاء على سطح المجمع حيث الحجرة التى خصصت لى أو لديوان 
ابن الرومى الذى لم ير النور. . 

وجيف ع ازيارة ملسجيين ق,مؤفة 4 بوذ لدت صلق به . فقال لى : 
إن هناك شكوى منك ؟ قلت : ممن ؟ قال : منى قلت : لماذا يا معالى الباشا ؟ قال ' 
إنك لا تذهب إلى عملك فى -لنة ديوان ابن :الرومىٍ . قلت : يا باشا أتسمح لى أن 
أتكلم بصراحة ؟ قال : قل . قلت : إى موظف لا يكفينى مرتبى أنا وعيالى 


ها 


وم[رؤلت فى "الدرجة السادسة » فأنا مضطر إلى العمل مساء فى جريدة الأخبار, 
وكنت قد انتقلت إليبا فى جمع من الأهرام على رأسه كامل الشناوى وفى جملته 
أنيس منصور وكال الملا وعلى حمدى الال . قلت لطه حسين : واللجنة يأ باشا 
تجتمع مساء ولا أستطيع حضورها . ويبدو أنه انتبه انتباهاً خاصاً لعبارة «وما زلت 
فى الدرجة السادسة ) فقال لى برقة : من أجل خاطرى تعال يوم الثلاثاء فأنا ذاهب 
إلى هناك . وى مفتتح الاجبّاع قال : ياجاعة » دعوا عباس فى حالة » إنه 
«جورنالست» مشغول » أليس كذلك ياعباس ؟ قلت : نعم يا باشا. قال : 
يا أخى » أنت متبجح » أتعتذر عن عملك ف الحكومة بعمل آخر؟ قلت : أنت 
تعلم يا باشا . وقال أعضاء اللجنة : آمين يا معالى الباشا . . 

وكانت الألقاب قد ألغيت فى عهد الثورة » وبرغم ذلك ظل كل من يخاطب 
طه حسين لابد أن يخاطبه قائلاً يا معالى الباشا أويا باشا على الأقل » لأنه كان يريد 
ذلك ؛ إذ يعتقد أنه حق مكتسب ليس لأحد أن رمه منه » وقد ظل حيائه 
جاهداً حتى وصل إليه . ويدل على ذلك ما حدث فى هذا الاجمّاع : اجتّاع لنة 
ذيؤان ابن الرومى » إذ استدعىٍ الأمر فى اموضمرع. الأدى كائيقه تنظره اللمجنة أن 
يكتب خطاب إلى رئيس المجمع أحمد لطن السيد » وكان طه حسين وفياً لأستاذيته 
وحريصاً على إيفائه حقه منْ التقدير » فأملى المخطاب بادئاً بالديباجة القديمة : 
«حضرة صاحب العالى أحمد لط السيد باشاه وقال فى تحد لقرار إلغاء 
الألقاب : إفى مستعد أن أدفع جنيهاً أو أكثرلا قرشاً واحداً ولا أجرد لطنى باشا من 
لقبه ! وكانوا يغرمون من ينسى ويلقب آخر قرشاً صاغاً حتى يتنبه ولا يعود مثلها . 

وقد حدث فى مسألة أخرى : هل هو مؤمن بالله ورسوله ؟ كنت أذهب إلى 
ماع وهر اضرق القسية المعرافية أو قاعة ديرت ه باخامعة الأمريكية ذكدت 
لظ أنه ينطق اسم محمد؛ بجرداً أى دون أن يسبقه لقب أو يلحقه دعاء مثل 
1 


7 


لَه . كان يصنع فى ذلك صنيع المستشرقين غير المسلمين وثار جدل كبير معروف 
حول كتابه «الشعر الجاهلى » ولما عرفته شخصيًا لم أرمنه ما يدل على تدين برغم 
مؤلفاته الاسلامية المعروفة كنت أراه يفطر فى رمضان » ول أره قط يصلى أو يتم 
بصلاة » ولم يكن حديثه فى امجالس بتناول أمراً من أمور الدين بطريقة تصديقية . 
وإن كنت قد سمعته يوصى أعضاء الجلس الأعلى للتعلبم وهو وزير أن يقررؤا على 
طلبة المدارس كثيراً من النصوص القرآنية ويقول إنه يدين للقرآن بالكثير. 

ولعل ذلك راجع إلى الناحية اللسانية فقط . 

وبرغم ذلك : ما أعظم مؤلفاته الإسلامية .. الله أعلم . 


عباس محمود العقاد 


قبل أن أقرأ أدباً للعقاد سمعت به » م قرأته كاتباً سياسياً جرياً بشت [ جضن 
جعيص ف البلد؛ حتّى الانجليز العتاة لا يسلمون من قلمه الحبار » وقال المتحدثون 
فى المجالس وأنا أصغى إليهم بإكبار : إن سعد زغلول زعم الأمة هو الذى أطلق 
عليه لقب «الجبار» لشدته فى منازلة الخصوم : خصوم الوطن وخصوم الوفد الذى 
بمثل' أغلبية الأمة ويطالب بالاستقلال التام أو الموت الزؤام . 
كاذ العقاد - أوذاهق نطع - بطلا عرافياً د شل فى تشسى مكانة أي بظل 
أسطورى » وابتدأت أقرأ مقالاته باهّام وانتظام فى جريدة «كوكب الشرق ؛ عندما 
بدأت العمل الصحق أو القرين الأول على هذا العمل فى تلك الجريدة وأنا طالب 
فى المرحلة الثانوية . كان من أهم مكاسبى المادية أن أحصل على نسخة من الجريدة 
يوميا بامحان » كان ثمنها خمسة مليات . كان مقال العقاد أول شىء أقرؤه » 


1/4 


وأقرؤه بلذة واستمتاع » وكانت هذه القراءة أول انطباع فى نفسى للكاتب الكبير » 
قل إنه انطباع أدلى أو انطباع سياسى » سمه ما شئت المحقق عندى أن تلك المقالات 
كانت شيا عظيماً ومتعة يومية لا تعدهها متعة . وكان العقاد أحباناً يكتب 'مقالات 
أدبية أو ينرجم قصصاً قصيرة إلى جانب الكتابة السياسية » كله عظبم . . عظم . 
من المقالات البّى اذكرها مقالة كتبها عن زيارة ابن رئيس الوزراء «إسماعيل 
صدق باشاء لزان أسوان » سافر فى ديوان خاص بالقطار على نفقة الحكومة 
وقالت جريدة «الشعب» الناطقة باسم حزب الشعب الذى يرأسه إسماعيل 
صدق - قالت فى تبرير ذلك : إن ابن الرئيس مهندين © وهو يزور الخران 
لأغراض فنية . . كتب العقاد المقال بعنوان «بسلامته مهندس ! » وجعل يسخر من 
0 الوزواء بواينة سكرية تتمة ‏ . تذ كربت فلل لهو عندما ممعت ترفيق 
الحكم يقول لنا فى لجنة القصة بامجلس الأعلى : إن العقاد عندما كان يترك نفسه 
على سجيته فى الكتابة يكون ظريفاً جداً . وشرح الحكيم رأيه هذا بأن العقاد كانت 
لديه عقدة «الشهادة» البتّى | يتحميل علنها من المعاهد التعليمية » فكانت تملكه 
نزعة التعالى الى يريد أن يقبت ببا أنه أعظم من الخاصلين على الشهادات 
والدارسين فى الجامعات » فتبعده هذه النرعة عن السجية الظريفة الى جبل 
عليها » وفى قليل,جداً من الكتابات غلبته هذه السجية فأق بالظريف من الكلام . 
وتعاظمت صورة الكاتب البطل الحبار فى نفوسنا عندما قال فى مجلس 
الثواب » وكان عضواً فيه إن الشعب مستعد أن يسحق أكبر رأس فى البلد إذا 
حاول أن يعطل الدستور. 
ولا قامت عليه قيامة جريدة «الشعب: فراحت تتساءل ؛: من يقصد العقاد 
بأكبر رأس فى البلد ؟ كتب فى دكوكب الشرق» مقالاً افتتاحيا أكد فيه ما قاله فى 
البيلان وقال إننا نقوها ونكررها ونؤكدها ! 


وكانت قلوبنا تخفق عندما حكم عليه بالسجن بتهمة العيب فى الذات الملكية 
المصونة . . وكم أكبرناه عندما نشر أن وزير العدل فى حكومة صدقى كان فى زيارة " 
السجن ؛ فلا رأى العقاد حياه سائلا عن حاله » فلم يرد عليه العقاد ولم ياتنت 
إليه . 

وكنت أقرأ مقالات كان يكتيها عبد الله حبيب وتنشرها «الأمراع» فى الميقيحة 
الأول حت عنوان ( سجيئنا اليوم ) وتأق فيها عد من أدب العقّاد محيياً يافيها 
الأديب الحر المسجون ! 

وكذلك كان . . الأهرام الجريدة المابدة التى تميل إلى إرضاء الحكومة تفسح 
ارد توا وتاي الب و ا 
ذلك إعزازاً وتقديراً للأدب والأدباء من صحافة ذلك الزمن 

وى هذه الأيام حين أكتب هذا تنشغل صحفافتنا بأمر خطير. . هو خطبة 
الممثل عمر الشريف لمثلة جنس ! وتتبارى الأقلام الصحفية فى حقيقة هذه 
الخطبة » وتعلن محلة كبيرة عن نفسها بأن بها تحقيقاً عن هذا الموضوع ! 

وصرت أقرأ لعباس محمود العقاد فى مؤلفاته ومترجاته » ولعل كتاب «ساعات 
بين الكتب » وكباب «عرائس وشياطين»كانا من أحسن ماقرأت له فى ذلك ال حين. 

مل سيية يداك تبتز فى نفسى عندما قرأت له فصولاً فى النقد تناول فيا 

يحض المعاصريق ن له من الأدباء بالتجريح وبالشتائم » كنت أطرب لشتائمه للوزداء 
والكباء ولكنى لم أسترح إلى تجريحه وتحامله على الأدباء » ويوماً قرأت له هجوماً 
متغنياً على مسرحية «قبيز» الشعرية لأحمد شوق فقلت فى مجلس الأصدقاء : لقد 
بدأ العقاد « جص » فقال لى صديق شوق أمين : أنت الذى بدأت تفرأ له ! 
وكانت هذه نكتة ظريفة قهقهنا لها » ولكنها لم تكن حقيقة » فأنا أقرأ للعقاد من 


مان .. 


”ع 


والواقع أن إعجالى بالعقاد لم يشمل بحملاته التقدية + .تقد كنت أر تماملة 
عر ا ع : صف النقود المظلوم . ولم تكن 
تعجبنى كذلك الحملات الماثلة عليه . مثلاً نشبت فى أواخر حياته معركة ضارية 
ينه وبين أمين المنولى تبادلا فيها أقذج الشتائم . . كنت أقرأ لكل منهم| وأنا سساخط 
«قرفان) لا أحب هذا النوع من النقد. 

وسمعت عن كتاب ذائع الصيت اسمه وعلى السفود» قيل إن مصطنى صادق 
الرافعى شوى فيه عباس محمود العمّاد . والكتاب مغفل ليس عليه اسم المؤلف وإن 
كان معروفاً أنه الرافعى . فلا وقع فى يدى وقرأته وقرأت فيه شعرت «بالقرف» من 
هذا-النوع من الكتابة المفحشة » وأدركت اذا لم يضع المؤلف اسمه على هذا 
الكتاب الذى يزرى بؤّلفه . . . وشعرت ألى مع العقاد : المشوى » على السفود . 

فى ذلك الوقت : وقت أن قرأت كتاب «على السفود» كان العقاد قد انشق 
على الوفد وراح يكتب مقالات حامية ضد زعيمى الوفد مصطف النحاس ومكرم 
عبيد » وكنت أعمل فى محلة وفدية اسمها «الكرباج» وطلب إلى أن أكتب ضد 
العقاد ففعلتما . . بدافع الشعور العام الوفدى من جهة » وداقع شهوة إعال القلم 
فى البدءء ودافع «أكل العيش 0 من جهة جهة أخرى . . . واستعنت بكتاب على 
السفود.؛ وكان رئيس ل : خذ من هذا الكتاب وشم 
العقاد ! وكم أنا نادم على ذلك . 

ولكن مقالات العقاد أ ثرت فى ؛ نحيث زعزعت أركان. العقيدة الوفدية فى 
'نفسى وعلمت أن العقاد والصحئى الكبير محمود عزمى ومن معها فى جريدة 
«روزاليوسن» اليومية التى اتخْذت منراً لمهاجمة الوفد بالاتفاق مع صاحبتها - 
السيدة فاطمة اليوسف - علمت أ: نهم يعيدون تنظيم الجريدة » فتقدمت إلهم لكى 
أعخل مندوياً لها فى الأزهر وا محا كم 0 ؛ واستعنت على ذلك بصديق طاهر 


" 


أبو فاشا الطالب الأديب الجرىء المنفيف الظل الذى كان قد اتصل بالعقاد وصار 
من تلاميذه المقربين إليه وقدمنى طاهر إلى العقاد » وكانت أول مرة ألق فيها العقاد 
شخما : وكنك سعيذاً جذاً بهذا اللقاء وبعمل فى الجريدة الذى لم يطل أمده 
لافلاس الجريدة وتوقفها عن الصدور نحاربة الوفد إياها واتاذ الموزع سلاحاً فى 
هذه امحاربة » فكانت شركة التوزيع تخنى الجريدة ولا توزعها . وقد ذكرت بعض 
مغافراق الصحفية فى هذا العمل بكتان. وخطاً مشيتاهام . 

ولا تعطلت المريدة رأيت من حسن الخلق أن أزور العقاد فى بيته » وذهبت 
إليه دون تحديد موعد سابق » وكان عاكقاً فى منزله لا يكاد يغادره » إذكان فى 
محنة شديدة ذات وجهين : وجه مادى ووجه معنوى » الأول مفهوم لانقطاعه عن 
العمل الصحق مصدر رزقه الوحيد والثانى إخفاق حملته على الوقد وما لابس 
ذلك من محاربة الوفد للجريدة » وقال لى باسل شديد ونحن جالسان وحدنا قرابة 
“مناعة فى الشرفة صيفاً إن المؤسف .أن يتضامن الوفديون فى محاربتنا على حين 
يتقاعس: أنصارنا عن مد يد العون إلينا أوحتى السؤال الذى لا يكلفهم شيئاً . 

مكثت مع العقاد نحو ساعة كا قلت لم أرفى خلانها عنده أى أحد وعرفت أنه 
يعاى الوحدة وانفضاض الناس من حوله . وقد تبسط معى فى الحديث تبسط من 
يجد أى إنسان يكلمه ! ش 

ولقيته بعد ذلك على فترات متباعدة » وأعتقد أنه لم يعرف أنى ذلك 
الانسان . . فا أنافى نظره إذ ذاك إلا واحد من عشرات الذين يشدون الأدب 
ويحاولون أن يكونوا فيه شيئاً . ولكن كان مما يعجبنى. فى العقاد مع تعاليه على . 
الكبراء وتكبره على أهل الكبر أنه كان متبسطاً لطيفاً مع غيرهم ولا أقول متواضعا » 
فلم يكن التواضع من سماته على أى حال » حتّى فى أفكاره إذ يرى أن الفكر 
والأدب الرفيع مما يخص المخواص » أما بقية الناس فهم همل أو قطيع لا حساب له 


1 


ف كر أوأدب.. وقذا كان يعد كن القمة قليل. القيمة + لأنه - ىا برى فيو 
يدول > يعن بالناس العاديين » كتب فيه قليلاً » ووكر عل الشعر باعهاره. فنا 
عالباً لا يببط إلى العامة مثل القصص » ولاكتب قصة «سارة » كتبها بطريقة مختلفة 
عن سائر القصص » إذجعلها أشبه بكتاب فى فلسفة الشك مثا بقصة تروى 
وتعالج كا يعالج عباد الله القصصيرن قصصهم » والمعروف أنه طاول فيا حب 
ميا ل : وقذا قرا حا عجيا لديخيه إلذ العقاذ , 
فاه 
مرت الأيام » واجتمعنا «أدبيا؛ فى ملة الرسالة »'إذكنا نكتب فيها مع فارق 
” أنه كاتب كبير يكتب الافتتاحية وأنا كويتب صغير أحرر باباً فى المحلة ليس له ذلك 
الشأن الكبير. 
فى خلال ذلك وقعت لى معه عدة رقائع يلاحظ فيها أن العلاقة الأدبية بينه 

وبينى أخذت فى طور آخر غير مجرد الإعجاب من جانى » لقيته مرة فى دار الرسالة : 
على أث ركتابة لى عن الحركة الشعرية فى ذلك الوقت » إذ قلت إن المدرسة القديمة . 
زب من اللدرمة الخديقة وصار للقارق. بينبيا لأ يكاد يذكرء قال ى عمجا ؛ 
تعال يا مولانا (وكان هذا الخطاب من لوازمه) ما هذا الكلام ؟ هل شعر الجارم 
مثلاً مثل شعرى ؟ أجبت ها أقدرنى الله عليه » ونجانى من هزة العصا فى يده . 
؛ كان ذلك أمراًهياً جداً » ولكن قاصمة الظه ركانت فى مملة متحررة جداً » 
أسئدت رياسة تحريرها إلى الكاتب الساخط على الأوضاع «سيد قطب» أظن أنها 
مملة «العالم العربى» فى ثوب جديد وطلب منى سيد قطب أن أكتب بنتبى 
الحرية . وكتبث عدة مقالاث بعنوان « الأفكار العارية» نقدت فيه كتابة المازنى فى 
«أخبار اليوم » إذكان يشرف فى الإثارة الجنسية على نبج الجريدة التى اتخذت من, 
كائب أدبب مثل المازفى وسيلة لنش رالأفكار العازية إلى جانب صور الأفخاذالعارية . 


و ' 


تم جاء الدور على العقاد » وكان قد قال قصيدة فى رثاء «النقراشى » وازنت 
بينها وبين قصيدة على الجارم فى الغرض نفسه والمناسبة ذاتها » وخرجت من الموازنة 
بأ لا فرق بين الاثنتين وأن مسألة القديم والجديد ما هى إلا من الأساطير التى 
لا وود ها فى الواقع . وأذكر مما صنعته فى ذلك أن أوردت نظرية العقاد فى وحدة 
القصيدة وأنها كائن حى مترابط 2 وعرضت عليا قصيدقه تلك طلم تتطيق على رأيه 
نفسة )» وأظهر ما فى الأمر أنك لو قدمت وأخرت فى الأبيات ما اختلف شىء » 
وهو الضابط الذى كان قد وضعه هو للفرق بين القصيدة القديمة الفاقدة الوحدة _, 
الغضوية وبين الجديدة المكتملة الشروط . 

ويلاحظ أن ذلك كان قبل أن يوجد الشعر الحر الذى خرج على العمود وترامى 
إلى من بعض الزملاء الذين بحضرون ندوة العقاد فى منزله كل يوم جمعة - ترامى 
إلى أنه وصفى بأى «شيوعى :ابح كلب» ركان هذا الرصت معدا جاهراً عبد العقاد 
يضفيه على كل من. يكتب ضده . 

وكان سيد قطب من تلاميذ العقاد ومريديه » ولكنه كان خريصاً على 
شخضيته المستقلة وتحرره من كل ما يعوق إبداء الرأى » وأمسكته أنا من هذا الزمام 
وأنا أقدم له ذلك المقال الذى ينال من, أستاذه ٠‏ فنشره برغم ولائه للأستاذ ! 

ولا مناص من الإشارة إلى حادث كتبته من قبل » لأنه هنا ذو دلالة مهمة » 
ذلك عندما عثرت فى جريدة «المؤيد) سنة ١105‏ على خبر صغير بتوقيع « عباس 
محمود العقاد» يدعو ماده راسبى الشهادة الابتدائية إلى اجاج لأمر هام فنشرته 
فى محلة «الرسالة» علق عليه بأن الأستاذ الكبير وأى أستاذ كبير مثله لا يضيره 
ولا ينقص من قدره أنه لم يحصل على شهادة . فامتنع العقاد عن الكتابة فى الرسالة 
وفال لسكرتيرها بالتليفون لما ظلب منه المقال أنا لن أكتب فى محلتكم ما دام فيبا 
هذا: الذى يكتب ضدى ! إما أنا أوهو. : 


5 


وكان الزيات يدفع له لقاء المقال تمانية جنيبات » وجرى العقاد فى مقالاته 
الأخيرة على إعدادها ردودا على أسئلة من الطلبة فى نقط ومواضع من كتبه فى 
العبقريات المقررة فى المدارس » فانتبز الزيات هذه الفرصة و«وقره الثانية 
النيبات قائلاً إنه بعلن عن كتبه ويأخذ نقوداً ! 
وكانت تلك: خاتمة كتابة العقاد فى الرسالة . وقد طلبت منه المحلة بعد ذلك 
متالاً للعده الستوى الذي يعمد خاصاً بعيد المجرة ع وقال'السكزتير الدى يغاب 
لقال إن الرسالة ترجو ألا بقطع الأستاذ العادة التى جرت بأن يتضمن العدد 
السنوى مقالاً للعقاد » فقال العقاد لا ء إنه - يقصدنى - لايزال يكتب عندكم ! 
وببذه المناسبة نذكر أن أصل الفكرة فى تألين العبقريات أن العماد كتب مقالاً 
ان عدد من أعداد و الرسالة» الهجرية تحت عنوان «عبقرية محمد العسكرية» ثم 
جل هذا المقال أو بنى عليه كتاباً أتبعه ببقية العبقريات لما رأى الكتاب الأول 
٠‏ وإذكان الزيات قد «وفر» ماكان يدفعه للعقاد » فإن العقاد لم يضره ذلك » 
. فقد بلبأت «أخبار اليوم» تستكتبه بأضعاف هذا المبلغ جزياً على سياستها فى 
استغلال أقلام كبار الأدباء للرواج الصحى » فوظفت عندها توفيق الحكم والمازى 
وسلامة موسى محررين » واستكتبت العقاد من الخارج » وإلى جانب ذلك كانت 
كتب العبقريات تدر عليه 'رزقاً كبيراً » وهو ل يعرف الرزق. الكبيز إلاامن 
العبفريات » ويذكر الباحثون والدارسون كثيراً من بواعث تأليف هذه الكتب 
وآثارها الأدبية والفكرية'» ولكنهم يغفاون العنصر المالى فيبا كباعث » كا كان مثله 
' عند طه حسين فى الكتب الإسلامية وربما لا يكون هذا باعثاً فى البدء » ولكنه 
ولاك سفر على الامنترساله والاستكار. 
الأدب جرد الأدب لأ ينفع فى هذا البلد» أى لا ينتفع صاحبه فى معاشه 


ه؟” : 


ولابد من إضافة شىء إِلنِه » ولولا كتابة المازنى التافهة الثيرة في أخبار اليوم فى 
آواخر حياته لمات جوعاً . . وكان هو صريحاً يقر بذلك »: بل يكتبه » وايحث الآن 
عن الأدباء فى الظل كن مدا عن أشو السساقة والنينا ونا إلى #للف. » تفذق 
ما:أقول إن كنت من الممترين . 

الوطم اين مود بأخبار اليرم » فهو رجل واع من 

..- كانت "كل كتايائه نواد إيمة مجمعها فى كنب قيعة ل كتاب سرج 

الي الذى يضم عدداً كبيراً من المسرحيات القصيرة المستوحاة من حياة امجتمع 
وابى تننى عنه بشدة أنه من سكان البرج العاجى . ومن كتبه أيضاً الى نشرها فى 
أخباق اليوم مقالات » كتاب وحار الحكم » ودقالت العصاه. 

وبرغم ما كتبته واغضب العقاد منى لم افقد إعجابى بشخصيته واعتزازه بنفسه 
كأديب كبيز وترفعه عن الصغائر وعا انحدر إليه غيره من الزلنى للحكام والمستبدين . 

كان رجل مثل طه حسين » على جراته وقوته » يخشى باسه » باس العقاد ) 
بل كان يتملقه » ومن ذلك مافعله حين انفم إلى الوفد وترك الأحرار 
الدستوريين » إذ أعلن فى حفل أقم لتكرم العقاد لا أذكر مئاسبته » أن العقاد هو 
أبو الشعراء بعد شوق » أعلن ذلك وهو بعلم أن العقاد ليس كذلك . ٠‏ . وقيل انه 
يضئ على العقاد إمارة الشعر لكى تخلو له إمارة النثر. 

وم يكن طه حسين يستطيع أن يقول كلمته المشهورة فى ندوة تليفزيونية بعد 
وفاة العقاد » إذ استبان بكتاب من كتب العبقريات وقال إنه لم يفهمه » لم يكن 
يستطيع أن يقول ذلك فى حياة العقاد - هو وجه المؤاخذة » لوقال ذلك 
أوكتبه فى حياة الرجل لكان نقداً حرا يحمد عليه .. 

رحم الله العقاد وغفر له ولنا ولطه حسين . 


155 


لم أكن أعرف أحمد حسن الزيات قبل صدور الرسالة ولم أكن قرأت له 
شيئاً » عرفت فما بعد عند اشتغالى ببحث نشأة القصة القصيرة وما اقتضى هذا 
البحث من الاطلاع على الصحف والمجلاث الى كانت تضدر إبان تلك النشأة -: 
عرفت أن الزيات كان يكتب .على قلة » رأيت له مقالات فى خريدة السفور الى 
كانت تصدر حوالى سئة 19418 وتعنى أكبر عناية بالأدب والثقافة وتنشر للأعلام 
والرواد » مل محمد تيمور وشقيقه محمود ومصطق عبد الرازق وطه حسين 
وغيرهم » أي للزيات فى السفور ترنجمة حلقات من رواية «غادة الكاميليا » 
بأسلويه المتفرد » وقال لى بعد اتضالى به - عن تلك الترجمة إئه شرع فيها مشركاً 
مع أحمد زكى » ٠‏ ثم تركها له يترجمها وحده لأن أحمد زكى كان بحب مثيرة 
المهدية وأراد أن يعبر عن تقديره لها من خلال « مارجريت ٠‏ بطلة الرواية . وفعلا 


/ا” . 


ظهرت ١‏ غادة الكاميليا » فى كتاب مترجمة بقلم أحمد زكى بعد أن نشرت فصوها 
فى السفور 

وحتى عندما ظهرت الرسالة لم يكن اسم أحمد حسن الزيات هو الاسم 
« الرنان » الذى يحذب إلى الجلة . . بل أعلن عنها باسم النة التأليف والترجمة 
والنشر البّى أصدرتها أولا » وكان الزيات رئيس التحرير أحد أعضائها » ثم انفصل 
بها الزيات عن اللجنة بعد مْدة . وكان يقال فى الإغلان إنه يكتب فيها أساتذة 
الجامعة » وفعلاً كان يكتب فيها من هؤلاء الأسباتذة طه حسين وأحمد أمين وأحمد 
زكى وغيرهم . وقيل إن الزيات قضى سنين فى العراق مدرساً » وجمع مبلغاً من ... 
المال استعان به على إصدار الرسالة إلى جانب عون لجنة التأليف . 

وابتدأ الزيات يأخل مكان الصدارة بعد الانفصال وبعد انحسار : مد ؛ الجامعة 
وأساتذتها » وحل محلهم آخرون من كبار الكتاب .مثل الرافعى والعقاد والمازى 
وبق فى الرسالة من الأولين أحمد زكى يكتب مقالاته العلمية المعروفة وخاصة 
« قصةالميكروب ؛ وكذلك الباحث المورخ المدقق محمد عبد الله عنان . 

وكنت عند صدور الرسالة أغير جلدى . . كنت طالباً فى السنة الأول من 
القسم الثانوى الأزهرى وقد بدأت أفقم عينى على عالم جديد غير عالم الأاهر » 
بعض هذا العالم الجديد دخل الأزهر فى أشخاص مدرسى العلوم الحديثة » وبعغعضه 
يحرى فى الخارج ونحن نطلبه ونركض وراءه فى ١‏ السياسة الأسبوعية » وه البلاغ 
الأسبوعى » و١‏ امجلة الجديدة» وغيرها . 

ولا صدرت الرسالة أقبلنا عليها إقبال الظامئ على مايبل غلته » إذ كانت 
السياسة الأسبوعية والبلاغ الأسبوعى قد توقفتا عن الصدور » ووجدت الرسالة 
مكاناً خالياً فلأته » م يكن المكان خالياً من الحلات الأدبية فقط . بل كان خحالياً 
من« شئ ؛ كان غامضاً فى نفوسنا » هو الذى عبرت عته عباراث كتبت على ظهر 


371 


الفلاف الأخير للمجلة » فهى تعبر عن الأصالة العربية وتغترف من الثقافة العلمية » 
أوكا قالت « تربط الشرق بالغرب على هدى وبصيرة ») وكانت مواردها مصنذاقاً 
لتلك العبارات . 
وبدأت ألتفت إلى الزيات ككاتب عربى ذى أسلوب ناصع يشبه أسلوب 
المنفلوطى الى رضعناه صغارا » مع انثفاء عيوب فى أدب المنفلوطن أدركناها 
كبارا . كلاهما أزهرى مثلنا غير جلده وبقيت فيه اثاره من تراث عريق . 
كانت أول مرة ألتق فيها بالزيات شخصيا عندما كتبت مقالات « شعراء الموسم 
0 وأنا طالب علم بالقسم الثانوى الأزهرى » وطالب أدب فى كل 
. . والواة قع أفى لم أكن فى دراستى تى الأزهرية إذ ذاك بالطالب الذى ينبغى أن 
* » كنت علخلا معنويا وماديا . . أما معنويا فكنت أنشد ثقافة جديدة بالنسبة 
إلى مانشأت فيه وقطعت فى لتحصيله مرحلة جادة + ثم تبين لى أنى خلقت لشىء 
آخرء وأما «ماديا» فأنا شاب ضائع أو مضيع . . لابعرف من أبن يرترق . 
' يضرب هنا وهناك ؛ مرة على هدى ومرات على غير هدى , 
ألقيت بالمقال الأول لفراش .ملة الرسالة هناك فى شقة بالذور الأرضى من منرل 
فى حى عابدين » استأجرها الزيات للمجلة بعد انفراده بها بعيداً عن لنة التأليف : 
والتزجمة والنشر. ونشر المقال الأول » وذهبت بالمقال الثانى » ثم الثالث 
وكذلك » فلا كان المقال الرابع الأخير أسرع الفراش يقول لى : كلم الأستاذ ! 
ودخلت على الأستاذ فى مكتبه وأنا منبيب مدهوش . 
قلت وأنا أقدم المقال 
- هذا المقال م شعراء الموسم 
م هات )2 سلم على الاستاذ ! 
آنا , ...ا هو! 


11 


-أنت 1 

نم أنا . 

خلع نظارة القراءة وصعد نظره إلى وخفضه ثم قال : 

- أهلاً وسهلاً ؛ اتفضل . 

ثم نادى بصوت أنيق : 

- ياعمان » هات قهوة 

نطق عمّان بضم العين وإخراج اللسان فى الثاء » وهو تعريب لاسم فراش المحلة 
« عمّان » بكسر العين وبالتاء » حسب النطق العامى . 

اعتذرت عن القهوه فلم يثن . . . وانصرفت . م أتبين ملامحه تماماً لفرط 
اندهاشى وتبيبى ؛ وك كان هلق لتاق قال عالقا مس - . وأعجبتنى طريقته 
الطبيعية فى طلب القهوه من حيث الاكتفاء . بمجرد طلبها وعدم الالحاح بشربا . 
هكذا يحب أن يكون. : 

وكان محمل الانطباع لهذا اللقاء الارتياح إلى هذه الشخصية المنفردة . 

. وكان لنا صديق للزيات ولى » هو الشاعر أحمد الزين الذى توطدت صداقته 
لى بالكتابة عنه ف مقالات « شعراء الموسم فى الميزان 0 ووفيته حقه من إلقدير» 
روح مها التكائز فى مكل هذه الصداقة + هو شاع ركبير مرموق ؛ وأنا ناشئّ 
ضئيل الشأن » ولكننا فى زعمى أديبان . 

كان الزين يعرف.حالتى » فانتبز فرصة خروج مصحح الرسالة من عمله » وكلم 
الزيات فى أن أحل محله . وقد شرحت ظروف ذلك فى الكتاب و خطا مشيناها » . 

ووافق الزيات . وقال لى وقد علم أنى طالب بدار العلوم التى لحقت بها فى تلك 
الفترة . 0 : ١‏ . 
قال لى : إنك ستكون مدرساً تصحح كراسات الإنشاء للتلاميذ » وهنا لن 


3 


يثلث عملك عن ذلك كثيراً » ستصحح مقالات الكتاب وتنقيها من الأخطاء 
اللغوية والنحوية . 

وهنا وقفة لأمر مهم فى حياتنا الأدبية . ذلك أن أخطاء الكتاب فى اللغة 
والنحو ليست جديدة الآن . . بل هى عريقة » فباستثناء كتاب متمكنين من اللغة 
أمثال الرافعى والعمّاد والمازنى :وزكى مبارك والعريان وسيد قطب » كان كثيرون 
غيرهم يقعون فى تلك الأخطاء » ولكن القراء لايرونها » إذكانت أقلام التصحيح 
تعمل وراءهم وتنظف كتاباتهم » وإن أفلت خطأ برز له فى « بريد الرسالة » من 
يأخذ بخناق الكاتب من أجله . . وممن كانوا لامجيدون التعبير العربى السلبم مع 
اقتدارهم على المضمون الحيد الكاتب الكبير الداعى إلى القومية العربية « ساطع 
الحصرى ٠‏ كنت أتعب فى تقو عباراته » وإن جلست مغه وجدت صعوربة فى فهم 
مايقول . وكان الزيات فى أول الأمر لايكتنى بتصحيحى » بل يطلب ١‏ بروفة 
٠‏ نيقة: وجرى فها مجح » ثم ألم أنا على تصسسيحه وأمعفيد ملا» مكانت 
ابروفة النظيفة تعود إلى الطبعة نظيفة . . . فأراح نفسه معتمدا على الله وعلى 
: العبد لله وكان حريصاً جد على ظهور جميع مواد امجلة خالية من الأخطاء . 
ومن هنا كانت ثقة رجال التعليم بالرسالة » إذا كانوا حريصين على الايقدم 
للطلاب كلام ملحون . ولذلك قررت الرسالة للقراءة فى المدارس والمعاهد. 

وكان ذلك » أى العناية بالتصحيح التى تشمل التقويم + معمولاً به فى غير 
الرسالة من المجلات والصحف » وولم تكن العين تقذى با تقذى به الآن مما هر 
معروف . , 

يضاف إلى ذلك أن الكتاب كانوا يخجلون جدًا من وقوع الأخطاءء فى 
كتابتهم » وكان النقاد لايرحمونهم » ولم يكن أحد يقول لؤلاء النقاد إنكم 
رجعيون جامدون لأنكم تنقدون اللغة ! 


لين 


ومن الكتاب من بدأ يخطئ؛ فى اللغة خاصة فى كتب يصدرها » تم عيب عليه 
ذلك » فاجتهد حتّى صارت لغته سليمة وقويمة » ومن هؤلاء محمد حسين هيكل 


ومحمود تيمور . 
الخجل يدل على الشعور بالنقص » والشعور بالنقص أول الككال » فليت 
القوم الآن يخجلون ! 


كان الزيات مقتراً مدبراً » أحسن تدبير المال واستغل كل الظروف للإثراء . 
واستمرت المحلة ناجحة نحو عشرين سنة » بفضل التدبير الذى شمل جميع 
النواحى » من أدبية وصحّفية ومالية . فن الناحية الأدبية والصحفية كانت الرسالة 
استجابة لمتطلبات المجتمع الفكرية على وجه عام » ومن الناحية المالية خدمتها أشياء 
كثيرة » لعل أولها وأهمها أن الكتاب لم يكونوا يتطلعون إلى مقابل مادى ؛ ومن 
تطلع منهم اكتف بالقليل » كان معظمهم موظفين ذوى مرتبات تواجه حاجات 
العيش مواجهة قوية مقتدرة. ومن هنا كسب الزيات وجمع ثروة . ١‏ 
المعروف أن مكسب الصحئ ولمجلات يأ معظمه إن لم يكن كله من 
الاعلان » ولم يكن بغيب ذلك عن فطنة الزيات » فكان بالجلة موظف خاص 
بالاعلانات » وكان يرسله الزيات إلى أصدقائه فى الوزارات والصالح ليحصل على 
الإعلانات » ومن أهمها إعلانات و الحجزات ١‏ الى تبدا عادة يعبارة إنه ف 
0 يكن القارئ يرى هذه الاعلانات . . فقد كانت تطبع فى ملازم 
5 تدبس مع الأعداد الى يقضى القانون بإرسالها إلى ذوى المصلحة ى 
الإعلان . وكانت هذه تأقى بدخل كبير. وكان هناك إعلان دام عن السكك 

الحديدية احتل مكانالشعار اخالد « تربط الشرق بالغرب على هدى وبصيرة ٠‏ 
إلخ ٠‏ على صفحة الغلاف الخلفية . وكان هذا الأإعلان الدائم بوساطة وزير 
المواصلاات الأديب إيراهيم دسوق أباظة” . وقد تولى هذا #الوزير الأذيت وزارات 


م 


أخرى ذات اختصاص بشئون الطرق الزراعية » فاستعان به الزيات فى بعض 
ما احتاجت إليه أراضيه الزراعية فى قريته » وكان بعض هذه الأراضى أو معظمها 
ملكا للسيدة زوجته » ورثتها عن زوج سابق . 
يدل ذلك وغيره على أن الزيات كان مشغولاً - إلى جانب الأدب - بالثروة 
وتنميتها . قال لى توفيق الحكيم مرة وقد سألنى عن الزيات : كيف هو وأين هو 
الآن ؟ فقد كان يتنقل كثيراً بين القاهرة والمنصورة ويقضى أياماً كثيرة بقريته «كفر 
دميره ؛ المتاخمة للمنصورة - قال يكم : الأدب لاحب الضرة ! ومعنى هذا أن 
الأذيب لكى يكون أديباً حمًا لابد أن يعكن على الأدب فقط ويعيش فى محرابه 
ولابنشغل بغيره » فإذا اضطره العيش إلى هذا الانشغال كان هذاه على الهامش » 
ولابكون مبرزاً فيه » إذ إنه لوبرز فيه كان بروزه على حساب الأدب ٠‏ وعندنا أمثلة 
لذلك : إبراهيم ناجى ويوسف إدريس الطبيبان اللذان آثرا الأدب » وتوفيق 
الحكيم نفسه النائب فى الأرياف الذى ترك كل شىء ماعدا الأدب . 
وربما كان الزيات أديياً ذا شأن أكبر وإنتاج أكثر لوم يتخذ للأدب ضرة . 
والواقع أفى رأيته حسن التدبير » بمعنى أن حرصه على لمال لم يطغ كثراً على حقوق 
1 يضيعها ومكرمات كانت له » .رأيت فى إدارة محلة الرسالة الى كانت إلى. جوار 
ميدان العتبة الخضراء عند بدء عملى مغه - وأيت رجلا من رجال الوطنية 3 
العراق هارباً من السلطة المستبدة فى بلده ولائذاً بالزيات » وقيل لى إنه كان من 
تلاميذه » كان هذا الرجل يقي فى حجرة أعدت له فى إدارة الجلة ويأق إليه الطعام 
فى مواعيده من منزل الأستاذ . 
وق فترة أخرى رأيت شابا يقي فى نفسى الحجرة ويأق إليه اشام ينا من 
منزل الأستاذ » وهو من قريته وقد تعلم فى القاهرة ‏ وقيل إنه خطيب ابنة السيدة 
زوجة الزيات . وكان هذا الشاب يعمل مديرا إداريا للعجلة » وكان يحاول أن 


00 


بعاملنى بشىء من التعالى لم يصطنعه الأستاذ نفسه .وحدث أن انقطعت عن العمل 
مدة للاستعداد للامتحان وأدائه وأنا طالب فى دار العلوم » فلا جاء موعد 
« القيض » أول الشهر خصم منى أجر مدة الانقطاع . فلا عم الزيات بذلك لم 
يرضه وأعاد إلى ماخظم » وقال كلاماً طيباً أشعرنى بالأبوة الى أفتقدها . وقد صار 
ذلك الشاب فما بعد من ملاك العارات فى القاهرة . وحل محله فى الرسالة شاب 
أآلبر أبين. تلص + ظل. قت عيدية الله يلسا بده طويلة .. ينا الرياتك 
يرعاه » ولا تزوج الشاب أسكنه الزيات فى شقة من عارته الحديثة الى بناها فى 
حى عابدين ونقل سكنه وإدارة المجلة إليها وأعد الدوز الأرضى للمطبعة . ولكنى 
قابلت هذا الشاب بعد أن توقفت الرسالة عن. الصددور وبيعت المطبعة » فوجدته 
ساخطاً على الزيات شاكياً منه » لأنه لم يعطه مكافأة عن مدة خدمته » وقال لى 
إنه يعمل فى مطبعة يملكها أديب سعودى كان ينشر فى الرسالة » ثم رأيته بعد ذلك 
موظفاً فى إدارة جريدة الجمهورية » وسمعت بعد ذلك أنه توق . 

وكان الساخطون على الزيات كثيرين ؛ أغلهم ممن لم ينشر لهم فى الرسالة » 
وكان حريصا على اختيار المادة الصاحة للنشر» ولم يعبا بمن كانوا يهاجمونه فى 
الصحف لأنه لم ينشر لهم » ومنهم نقاد قالوا إن أسلوبه متكلفٍ بميل إلى التزويق 
والوصف ولايحمل مضبموناً ذا قيمة . . . والواقع أن كتابة الزيات كانت حمراء 
. الخدين »كا عيب الورد . ولكنباكانت تحمل مضموناً ذات شأن » فهو أول كاتب: 
نبه على الثالوث الذى يعمل فى بنيان الأمة بالتخريب والتدميرء وهو الجهل والفقر 
والمرض » وكانت له حملات كثيرة على الإقطاع فى إبان استشرائه » وبما يذكر أنه , 
كتب يدعو إلى نظريةة الدكتاتور الصالج » زاعماً مع من زعموا أن حال هذه الأمة 
لأبسلسها إلا هذا الدكتاتور المرتقب . . وما جاءجبال عب الإاصر استبالر بد وكتب» 
فى الثنآء” علي كلما » حتى قال مرة فى إحدى كتاباته مامعناه : أن محمداً جاء داعيا . 


ين 


إلى الروحانية » وصلاح الدين الأيوبى إلى المادية » أما جال عبد الناصر فقد 
شملت دعوته الناحيتين . وكان هذا مثارا لثورة بعضهم عليه » وإنكان مسار هذه 
الثورة فى الخفاء . . وعد عليه ذلك من قبيل النفاق . 

انقطعت عن الزيات مدة طويلة بعد أن أتممت الدراسة فى دار العلوم 
واشتغلت بالتدريس فى مدارس مصر والسودان . ثم جددت علا يدا تركت 
قل الأحمر وامتشقت قلم التعبير والكتابة . واقتربت منه أكثر » صرنا نقضى معاً 
أفسياك سمر» وكنا ثلاثة نشيرك دائماً فى هذه الأمسيات : لون المعداوى وكامل 
محمود حبيب وأنا » إذ كنا متلازمين ومتزاملين فى الوظيفه بوزارة. المعارف وى 
الكتابة.فى الرسالة . وكان يحضر تلك الأمسيات أحيانا توفيق الحكم عندما يجىء 
إلى مكتب الزيات وقد تعرفت به شخصيا هناك ثم صرت أذهب إليه فى مكتبه وهو 
مدير لدار الكتب بعد أن ترك أخبار اليرم . وكان يحضر تلك الأمسيات أيضاً زكى 
نخيب محمود ومحمود الخفيف وبعض الزملاء من الشقيقات العربيّات والشاعر على 
مود لدع وكان هذا الأخير يتملنا عل ثرك الكتبء والذعايه إلى يعس 
الكازينوهات أو إلى شقته الأنيقة الى بعيش فيها عزباً مع بنات أفكاره وبنات غير 
أفكاره . 
1 وقد لإحيكاك أن الزوات ق تال اجرلاات يتلق عن سم عل ساوفن اقرف 
عنه من تقتير » ويدخن على خلاف عهده الأول إذكان لايدخن » ولعله تطور من 
هذه الناحية » إذ وجد نفسه قد اغتنى ويجب أن يع نفسه و يتم ب اريم 
بصحته اهتّاماً ملحوظاً وم يعد يشكو من المرض كرا كان من قبل » وظل قلمه فيا 
وفكره خصباً إلى آخر أيامه » فقضى حياته طولا وعرضاً . وهذا التعبير قريب من 
تعبيره الذى أجل عنه وكان السابق فيه إذ قال فى رثاء غلى محمود طه : إثه عاش 
حياته بالعرض لابالطول . 


وظلت علاقتنا وطيدة » لم يؤثر فيبا موقف أول ء وإن كان أثر فيها موقن 
ثان , . كان الأول عندما توقفت الرسالة عن الصدور سنة 1481 » وكتب الزيات 
فى آخر عدد يودع القراء ونشر هذا المقال فى الأهرام قبل ظهوره فى الرببالة » وكان 
يتضمن شكوى من الضرائب المنجمدة على الرسالة منذ سنوات وتبلغ نحو اثنى عشر 
ألف جنيه » وأن المحلة يثقلها هذا المبلغ فلا تستطيع أن تسير » وكان يرمى من بعيد 
أن تستجيب حكومة الثورة الى يرأسها محمد نجيب فتسقط عنه هذه الضرائب 
وأعانه العقاد وطه حسين بمقالين فى الأهرام عقب نشر مقاله » وأبدى كل منهما 
أسفه على احتجاب الرسالة » وضمنا كلامه| ذلك المعبى الذى يشير إلى الضرائب 
الباهظة , ْ : ١‏ ْ 
كنت فى ذلك الوقت قد تركت الرسالة ‏ وتركها من قبل أنور اللعداوى + 
وكنت أكتب فى أخبار اليوم باباً أشسبوعيا بعنوان « جولة الفكر» . كانت الرسالة 
قد ضعفت وتخلفت عن الركب » ركب العصر المتطور . ولقيت الزيات فى تلك 
الأثناء بمجمع اللغة العربية » وحدثبى حديثاً ودياً بث فيه رغبته أن أشارك بالكتابة 
فى الأسى على الرسالة . ولكن الذى حدث كان عكس ذلك . . إذ أعرضت عن 
الشيطان الأخرس وكتبت ما أعتقد من أن الحلة العريقة اهملت وتخلفت فكان هذا 
مصيرها امحتوم ... ورد على الزيات مما إياى بالتحامل » ونشرت رده .بأخبار 
اليوم مع تعقيى عليه بالتقدير الذى هو أهله . ولم يسرنى أن تلقف الكرة من يدى ٠‏ 
سلامة موسى وهاجم الزيات والرسالة . ْ 

والتقينا بعد ذلك عدة مرات وكأن لم يكن شىء. . 

م كان الموقف الثالى حين صدرت الرسالة مع لات لها عن وزارة الثقافة ٠‏ 
رلداحل «واسلات رياسة التحرير إلى الزيات . كانت حركة خصبة قام بها محمد 
عبد القادر حاتم وزير الثقافة إذ ذاك » ولكن شاب هذا الخصب حشائش طفيلية 


را 


أضرت به متمثلة فى سجاعة من -موظق الوزارة أزادوا أن يتسلقوا الرسالة بوزميلاتها 
إلى غايات .ليسوا مؤهلين لا » .وحاولوا الإفساد بينى وبين الزيات . ثم سافر ريات 
إلى إسبانيا لعلاج عينيه » .ومكث .هناك نبو ثلاثة أشهر توليت فيها رياسئة التعورير 
ناا عنه . ونلا عاد نشطت عناصر الإفساد » بونجحت .هذه المرة عندما ‏ صبوزتنى لله 
منافساً يريد أن يزحزحه لبجل محله . . بوصنادف ذلك فى نفسه ميلاً إلى أن يثبت 
وخوكة مقا كبر بوأنة بن يقعد مع “القاعدين !| 
وقاومت -ذلك فى أول الأمر » قاومته فى شخص المفسدين الذين تمكنوا نه » 
ولكن عندها .رأيتنى :فى مواجهته .تراجعت .وابتعدت عن المحلة , . . 
ولم يسرنى فى -هذه المحلة أيضاً أن هاءجم الرسنالة .وزميلاتها لويس عوض نحخلاته 
الضارية فى الأهرام رردا على حملاتها عليه التّى كان تأشدها ضرلوة روأكثرها كشفاً 
الزيفه الآدى مقالات نتجمود.شاكر :. أووجدت م«خملات لويس عوض حانة,وصدى 
8 عند مراكز القوى التى قد .بدأت تستقبرى إذ .ذاك , . , 
كنت أثور أحيانا على :أب 'اإزيات » يؤلكن لم أكين"أحب أن يباجمه أحد . 


طاهر أبو فاشا 


م يكن فى نيى - فى هذه السلسلة - أن أكتب عن أحد من الأحياء .أردت 
أن يكون حديى فيها إلى التاريخ الأدبى » والتاريخ « خحانوق » قلا يتعامل مع 
م ... وباعث آخر هو أن الشخصية الرائحلة يستطيع القلم أن يحول فى 
ارجائها ويصول . . لايقيد صدقه فى التناول أى شىء » ولوكان للشخصية أبناء 
وأقرباء » بل إن هؤلاء لايحق هم - فها أرى - أن ينبروا مدافعين » لأن الشخصية 
أصبحت ملكا عامًا ليس مايتعلق بها مقصوراً على 3 الورثة» كل أولادها وأقاريها 
ولافرق بين ذى رحم وذى أدب . . إلا أن الأول يحاول التظاهر والتفاخر 
والفسح . . 
ولكن طيف أخى طاهر أبو فاشا ظل يلازمنى هذه الأيام بحيث لم أستطع 
الفكاك منه ولم أشأ أن أكون ١‏ طارد الطيف »كا لقب الشاعر القديم الذى زجر 


0 


طيف محبوبته لأنه زاره فى وقت غير مناسب للزيارة . 
- طاهر أبو فاشا زميل الصبا وصديق العمر ولا نزال ثلتق ونتساق كئوس الود 
والصداقة . 
هكذا حاولت أن أتنصل » ولكن الطرف الآخر من نفسى حاورنى فقال : 
- وهل بمنعم ذلك أن تكتب عنه ؟ 
- ربا ندت كلمة قالته أو أغضبته » وأنت تعلم أنى فلاح خشن الطبع . 
- ولكنى أعرف أن طاهر أبو فاشا أوسع أفقا من أن يغضب لشىء مما تذكرء 
وآنه لام : 50-7 . 
كتبت عنه أو لم تكتب » أى أنه متسامح فى حق نفسه » لايعبأ بما يعبأ به 
غيرة. . 
- أمتأكد أنت من ذلك ؟ 
-إلة متأكد . . متأكد عدا باأستاذ | 
وابتسم الطرف الآخر وهو يعقب على ذلك فيذكرنى بوقائع ماضية : 
5-0 وأندا طالبان صغيران - يوم سرق منلك الدفتر « البلكنوت » الذى 
كنت تعتز بورقه المصقول الكثيف وسافر إلى بلده « دمياط » فكتبت إليه تعتب عليه 
أو تعنفه على هذه السرقة » فرد عليك بننى هذه النهمة » وكان رده مكتوباً علخ 
ورقة من «١‏ البلكنوت »0 نفسه ! ! 


-وما دلالة هذا على مانحن فيه؟ 70 | اك 
- دلالته أنه لمم بالدفاع عن (سلبياته ٠»‏ . 3 تكد 
- تقول سلبياته ؟ إذن فله سلبيات . بعال مرا 


- ومن ليس له سلبيات ؟ أتذّكر يوم التقيت به فى مصيف رأ" ايز »»:يقة؛ 
افتراق دام سنين ووعد أن بأ إليك فى الفندق » وم يحضر فى باللوعد'ونتألهه عله 


عن 


ذلك حيئا التقيما فأجاب بنتبى الصراحة : 

- ليس عندى ما أعتذير به إلا أنه سوه خلق ! 

هذا وال عدو مقبول عني ! 

ولكن قل لى . أليس عندك مائ زكر به غير ذلك ؟ 1 

قال الطرف الآخر : بل » » كثير أنت تعرفه .دون أن تحتاج إلى تذكير. 

حدثنى عنه أنجونا فى الصبا محمد شوق ين الذى كان يلم شجلنا إنه طالب 
أديب شإعر » كان فى معهد الزقازيق الابتدائى » وجاء إلى القسم الثانوى بالقاهرة 
يطلب العلم إذ لم تكن المعاهد الأزهرية ى الأقاليم قد توسعت وامتد التعليم فيها إلى 
المرحلة الثانوية وكنا قد بدأنا حياة أزهرية جديدة فى قصر على مبارك بالحلمية 
الجديدة . ووفدت علينا إذ ذاك أفكار جديدة لاعهد لنا بها » جذبتنا إلى آفاق 
أخرى غير الآة:, الثى اتجهنا إلبيا من قبل أو أريد لنا أن نتجه إليبا » ولكن طبيعتنا' 
تمردت » واتخذءت سبيلها نحو الأدب الجديد والتحرر من القديم الذى استغرقنا زمنا 
ص نعرف فيه غيره . 

كان لايد أن ينفم إلى وشلتناء ذلك الطالب الأدر» الغامر ا طاعر مل 
أبوفاشا , القادم من الزقازيق أو من موطنه الأصل : دمياط .» كان لابد أن ينضم 
إلينا بحكم أن شبيه الثىء ء ينجذب إليه . 

ااا ا 0 إنه خحفيف 

الظل » فكه » مرح » لايكف الواحد عن الضحك والمرح وهو معه . وهو يلف 
ويروح » ثم يغدوإلينا حاملاً أناء جولانه هنا وهناك » وكانت كلها فى مجالات 
الأدب والأدباء » وماكان أشد شوقنا إلى أن نعرف مايدور فى هذه المجالات » كان 
يذهب :إلى الدكتور زكي أبو شادى و٠٠‏ .* ٠‏ أبولو الث تلقف حوله » ثم يصحبه 
بعض الشباب من تلك, الجاعة إلى مقر سمرنا فى قهوة الحلمية » ومنهم مختار 


00 


الركيل » وأحياناً يجىء معه سيد قط ولا أدرى أين تعرف به . ومرة جاء يحمل 
أعداداً من محلة « النهضة * التّى كان بصدرها الدكتور غلاب .. وكان. هذا يستقطب 
بعض الأدباء الشبان وينشر لم فى مخلته » ومن جملة ماينشر فيه شعر لطاهر أبو 

فاشا . صاحب اجلة ورئيس تحريرها كفيف البصر » قال طاهر : إله تغفله وأ 
هذه الكومة من أعداد الجلة المكدسة عنده . وقلنا له : 

- ماذا تصنم هذه الأعداد ؟ 

- إن كل عدد مها « يطلع كنكة ). 

: وطاهر أبو فاشا شريب قهوة » ولكن لابملك ذ وابوراً» ينضجها عليه » فكان 
«يبرم ؛ ورق اتحلة أو الجريدة » ويشعل ظرفها » .ويمسكها بيد » ويمسك بالأخجرق 
وكنكة القهوة » حى تغل وتفور . ش 

وعندما نذهب إنكى وندوة القاناق » 'التى يتصدرها الشاعر الكبيره السيد حسن 
القاباق » بفناء ذاره أو بالمندرة الؤاسعة عندما لايئاسب اليو الجلوس فى الفثاء - 
كان الخادم الري: محمد» يدور علينا هناك بفناجين القهوة السنادة التى اعتادت 
١‏ دار القاياى » أن" تقدمها للضيوف . . -وضقنا بمرارة القهوة السادة ؛ .ولم حرجنا 
من هذا الضيق إلا ظاهر أبو فاشا فقد استصيحب فى جيبه كمية من قوالب السكر 
المكنة » وجعل يسير وراء محمد.. هذا يصب القهوة فى الفنجان القابع 
فوق: الظرف» مشمراً كم جلبابه الواسع ٠‏ .وذاك يضع فيه قالب السكر... 

لم يكن السيد حسن القاياق شحيحاً بالسكر تضعه فى القهوة » إنماكانت الدار 
عربقة فى الصوفية » كا هى مزهرة بالأدب » والصوفيون هم أول من الثفت إلى 
البن من حيث رأوه بعينهم على السهروييعث فيهم النقاط 'للعبادة » .وأ كر منايكون 
فاعلية إذا كان بدون سكير » أو قل إن غيرهم عبى مدى الزمن أضاف إليه السكر » 
وكان من « غيرهم » ظاهر أبو قأشا : 


81 


وكناسبة « غيرهم » تقاف ما بحدثنا به ظاهر عن « بغييه» أتعذا من قول. . 
الشاعر : « من 1" يمت بالسيف مات بغيره «كان فى الزقازيق هو ورفاقه الطلبة 
يذهبون إلى السوق بإناء تكبير بملثونه ٠‏ مشا » من إحدى الفلاحات مقابل ملالم » 
وملالم أخرى ب* يشترون لعوناً ع م يعصرون هذا على ذاك » ولست أذكر ماذا كانوا 
يضيفون إليه ويضربون المزيج ضرباً مح يتظل ويضير خاي القوام » ويحض ركل 
ل أيام ؛ وامحقق أنهم لم 

. بل كانوا على صحة يحسدهم عليها المترفون . ٠‏ لأنهم كانوا يتغذون 
0 والمرح » 9 من لايزالك حى 0 بعد أكثر من نصف قرن 
يضحك وعرح : 

ل قام به هو وبعض أصحابه على السيد حسن 
القاياق » ذهيوا إليه حزانى آسفين زاعمين أن الأستاذ سيد قطب محجوز فى «١‏ قسم 
البوليس » لأنه كان يشرب ٠‏ عرقسوس ٠‏ واحتك بالبائع ‏ ؛ فكسر قدره الزجاجية » 
فأمسك به بائع العرقسوس واستنجد بالشرطى وأصر على أن تمن القدر سبعون قرشا 
إما أن يدفعها سيد قطب أو يرج به فى السجن . “وهو لا بملك هذا المبلغ . 
فأعطاهم السيد حسن السبعين قرشاً . وحدث بعد ذلك أن كان سيد قطب فى ندوة 
القاياى وخشى ظاهر أبو فاشا أن يكشئ أمره » فقال للسيد قطب : لقد أرسلنا 
لك المبلغ مع الأستاذ عبد الحميد الديب ! م » إنما يأخذ فقط , 
فضحك السيد حسن وقال : لقد أكله الذئب 

وظاهر أبو فاشا قلا يستشعر الحرج » 2 » بل هو 

يخلق المواقف الحرجة ثم يخففها أو يذهبها بدكتة . . مرة كان فى المنصورة واتفق معه 
5 على متولى صلاح الموظف هناك على.أن يتناول عنده الغداء طعمية تصن 
فى المتزل » وكان الأستاذ الزيات يجلس فى قهوة هناك ويجتمع إليه أدباء المتصورة . 


43 


وأرسل على إلى طاهر ورقة كتب فيها أن تخلص من الزيات وتعال . فأطلع طاهر 
الأستاذ الزيات على الورقة . . . ثم كتب عليها : إن أستاذنا الزيات يقول : 
. إن المفلفلة اللذاعة لا تؤكل إلا جاعة ! 

وأكلوها جاعة . 

1 

لم يكن طاهر أبو فاشا طالباً فقيراً معدماً كا يضع نفسه فى كثير من المواقف » ' 
إنما كان يصنع الفقر لنفسه ويسعى إليه بظافه . . كان أبوه السيد / محمد أب فاشا 
من تجار دمياط الميسورين » وكان يرسل إلى ولده طاهر ما يكفيه من النقود . 
ولكن الولد متلاف » ينْق ما فى الجيب ثم يواجه « الغيب » مواجهة يكون هو فيها 
الكثأس. . يدمن السجائر والقهوة ولا بأس بغيرهها . . ويعانى قلة النقود » ولكنه 
لا يفقد مرحه أبداً . 

عد راد ومل يذ قن : يمن فينم أقيد التي كرفا بهن 
مسا ع ا و عي فى القاهرة وما 
على الولد إلا أن يأ لعمل ١‏ البروفة ) ثم يا يلبس . ولكن الولد الشق يعقد اتفاقاً 
مضادًا مع الترزى بحيث يأخذ منه بعض الن ويلغى ٠‏ « تفصيل البدلة ه ويكون 
الوالد قد دفع كل القن . . 

هذا هو قد كبر وصار طالبا بدار العلوم » ولكنه لم « يعقل 0 يقف فى الفناء 
ويتحلق حوله الطلاب ويضحكون . من يدخن يعطه سيجارة ومن لا يدخن يعتذر 
ويقول له طاهر : 

- إذن هات مرادفها . 

ومرادف السيجارة هو مل مها فى ذلك الوقت ! 

المدرسة : مدرسة دار العلوم العليا الى لم تحول بعد إلى كلية » كانت تنظم 


بد 


رحلات إلى جهات مختلفة: للسياحة الداخلية وزيارة. الآثار . م أكن أستطيع دفع 
مبلغ الاشتراك: فى. هذه الرحلات » فكت أحجم عنها وخاصة إذا كانت إلى 
الأقصر مثلا يرتفع. الاشترالك؛ فيها إلى مبلغ كبر ». ولكنى أرى. بين الأسعاء اسم طاهر 
أبو فاشا » فاقول. له : 

- تعال. ياوله . . . من أين لك هذا * 

- ما دفعت. ولن أدقع » ونا دفعوا لى .. 

عرفت أن الطلاب المشتركين فن. الرجلة أصروا على أن يصحبهم. طاهر أبو فاشنا 
وهو ليس. معه نقود. أو زعم, ذلك. فاكتبزا فيا يخصه. لوللا مايا 

- أصل, أنا حضحلئ. الظوب 1 : 

وكانت «.شقاؤة ؛ الطالب طاهر أبو وقاقا من تيت تلض جدًا.عا يكون. من 
ظلاب آخرين فى المدارس الأخرى » فإن هؤلاءء يكونون غالباً من الفاشلين ىق 
الدراسة » أماذ صائحييا فكان - على غين ما يبدؤ فى الظاهر- مهد جد ف 
البحصيل ». فكانت المفاجأة المتكرزة. أن ينجح دائاً فى: الامتحانات بتفوق.. 
. . وكانت خفة ظله تشفع. له فى-كثير من. المواقب. التى لو وقع فيها غيره. لثال أشد 
العقاب. » كان النظام فى مدوسة دار العلوم حازماً صارماً كأنها مدزسة حربية . 
وأذكر أنه عندما قامت الحرب. العالمية الثائية أدخلوا ى الدراسة. ٠‏ التدريب 
العسكرى » فكان يخون ١‏ النفر » طاهر أبو فاشا يخدث الفوضى فى الصفوف . . 
المدرب يقول بصوته العسكرئ الحازم : قتف ولكن هذاه النفر» المتمرد يظن سائراً 
وحده... . فيصرخ فيه المدرب . 

ايا أفتدق أنا بقوله قضْد. 
حا آنا بقف أهو.. ‏ * 
وتخار المدرب: بين أن يضحك مع الضاحكين أو يستمر فى جده العسكرى 


45 


للمحافظة على النظام . | 

وما أزال أذكر اللحن الذى اخترعه فأفسد به « الإذاعة المدرسية » التّى كانت 
تذاع من الراديو ‏ فى موعد الغداء . ذلك أنهم أرادونا على أن نقف ٠‏ طوابير ؛ ف 
الثناء ونستمع إلى هذه الإذاعة ونحن جائعون تتطلع ابعمارنا إلى المطعم الذى 
اعدت فيه موائد الغذاء . وإذا طاهر ابو فاشا يقول موقعا فى نغمة موسيقية : إلى 
الغدا . . إلى الغدا . . فتستجيب له أصوات الطلاب موقعة مثله » كأنها أصوات 
وكورس » على مسرح . . ويتجه الجمع الحاشد إلى المطعم . 

ولو أن طاهر أبو فاشا اتجه إلى المسرح لكان له فى تاريخ الفن المسرحى فى 
بلادنا ما لم يكن لأى مسرحى آخر . . كان يكون مثل ١‏ موليير » فى فرنسا » يؤلف 
ويخرج وبمثل . . والسمة الى تميزه أنه موضوعى يشتمل إنتاجه على هدف غير جرد 
التسلية والمئعة » كان المتبع فى دار العلوم أن تقدم حفلا فى آخر العام الدراسى يمثل 
نشاطها الفنى والأدلى . وفى إحدى المرات عهد إلى طاهر بإعداد هذا الحفل » فاذا 
فعل ؟ ألف وأخرج ولحن ومثل أهم دور فى تثيلية عجيبة قدمت على مسرح حديقة 
الأزبكية وحضرها كثير من كبار رجال التعلم وغيرهم . كانت تدور حول مدرس 
لغة عربية ممن كانوا يسمونهم : ذوى الخبرة » اى انهم غير حاصلين على شهادة 
تؤهلهم لهذه المهنة ولكنهم زاولوها فاكتسبوا خبرة . كانت القثيلية بعنوان ه مدرس 
غير فنى » وقد تناولت فى قالبها الفكاهى الممتع قضايا لغوية منها هذه القضية : 

كيف يعرب « محمد » فى جملة 9 ما سرق محمد ) ؟ هل هو فاعل وكيف ذلك , 
وهو لم يسرق ؟ أجرى الحوار فى « الفصل » هكذا بين المدرس والتلاميذ بعد أن 
طلب منهم أن يعربوا « ما سرق محمد ». 

قال تلميذ : : 

«ما حرف للنق والفعل فعل ماض ومحمد فاعل ؛ . 

د 


يغضب الشيخ ويشير إليه قائلا : 

بس اجلس. أخطأت الفكر غرتكم فى الدفتر صفره 

ثم يقبل عليه قائلا : 

«إزاى تقول إنه فاعل اما كلام ما يعقلش) 

ولا تقول ما سرق محمد مش ببق يا ابنى مسرقش» 

ويصيح على الجارم المفتش الأول للغة العربية معجباً : أى والله ! 

وبأق الاعراب المصحح فى صوت جاعى من التلاميذ : 

ونا احرف للق "أن ينى الحاضر والآجل» 

مفلل شل يفن رعند عامس طغل» ‏ 

ماعاء 

فى تلك الفترة انتشرت حفلات التكريم » فأراد طاهر أبو فاشا وجاعة من 
أصحابه منهم سيد قطب أن يسخروا من تلك الحفلات . وتبيع أحد الصحاب أن 
يكون موضوع هذه السخرية هو الشاعر » « مهدى مصطق » كان شيخاً م 
وعزم أن يخلع زى المشايخ ويلبس زى الأفندية » طبعوا رقاع الدعوة ووزعوها. 
وهى تبدأ هكذا : 

و تتشرف لجنة ذكرى الأحياء من ببى آدم بدعوة حضرتكم لحضور الاحتفال 
بإزاحة الككولا عن جئْان الشبخ مهدى مصطق ١‏ 

وتنتبى هكذا : . 

رلا أراكم الله مكروها ى عزيز لديكم 0. 

وكانت حفلة حافلة بدأها سيد قطب- ل 
مات يقوله « مناسية تقيب. المحتق نه تند الحفل 0 . 

وخطب فيها أكثر من عشرين شاعراً منهم حسين شفيق المصري وسيد قطب 


كك 


وأحمد مخيمر ألق طاهر أبو فاشا قصيدة بدأها بالتغزل ى محبوبته « ستيتة » 
ستيتة لا تكن تجواك عزلى فإن بمهججى حللا بتغلى 
دين الال وأبرو جا «إيرك عاك “القييل 
وفى النهاية ألق امحتنى به قصيدة مطلعها : 
أو مكرمى.. فشرتموا» الله ١‏ كرمبى ويعرف قيمى ويقدر 

كان سيد قطب قد أنبى دراسته فى دار العلوم منذ سنواث » وقد عرفته عن 
طريق طاهر أبو فاشا » إذ كان صديقاً حميماً له . كانت أول مرة تعارفنا فبها بقهوة 
الحلمية إذ جاء إليها سيد قطب من أجل صديقه طاهر . وأخذنا السمر» فلم نشعر 
بمرور الوقت حبى جاوزت الساعة الواحدة بعد منتتصف الليل » وكان سيد قطب 

يسكن فى حلوان » وقطار حلوان ينتهى سيره فى الواحدة تماما » فجاء معنا إلى. 

سكى. فى الخلمنة » حيث يتنا معا وتنا عل سريرى ذى الأعيدة الخديدية 

الأربعة واضطررنا أن نام على السرير نحن الثلاثة بالعرض . . حتى يسعنا وكان 
طاهر يبكن معى ٠‏ أو قل ينزل عندى ؛ إذ لم يكن له مسكن . . ننام على السرير 
فيأق بالكتب الضخمة ويضعها تحت الخدة الرقيقة البالية لإعلائها . . ومرة قلت 
له : خذ هذا شرح الأشمونى على ألفية ابن مالك » إنه كبير ينفع فى التعلية تحت 
رأسك فقال : لا » ابعده عنى . إن فيه : الأخفش » وأخشى أن « يطلع لى » فى 

أثناء لوو والأخفش هو أحد علماء النحو. 
وطاهر أبو فاشا لا يأبه بمواضعات النامن ٠‏ إتعيلمل ياواه عرسي ار كوه 

الناس . فى صباح تلك الليلة التى استضفنا فيها سيد قطب خرج لابساً « بيجامته 

الخريرية ؛ وبيده « السلطانية » وعاد يحملها مملوءة بالفول المدمس بيد » وباليد 

الأخرى أرغفة الخبز» وتحت إبطه حزمة من البصل الأخضر. . 


3 


تذكرت ذلك لما زرثه فى مصيف رأ البربعد ذلك: بسدين كثيرة » وخترجنا فى 
الصباح من «عشته» إلى السوق لشراء مايلزم . .. وقابلنا مدير المجمع 
الاستهلا كى الذى يعرف طاهر أبو فاشا معرفة ودية . وجرى بيه الحوار الآتى : 

- إلى أين يا أستاذ طاهر ؟ 

- إلى السوق لنشترى لما . 

- تعال يا أخبى عندى ما يلزمكم . ١‏ 

- لاء دع هذا للمحتاجين. . نحن نقدر على الشراء بغير أسعار القوين . 

ومضيئنا إلى السوق وهو يخب فى جلباب بلدى وقدماه فى «بلغة » . 

وتأملت ملامحه فى تلك اللحظة فرأيت عليها سيماء الجد . . والواقع أنى كثيرا 
ما أرى « الحد الحزين ؛ على وجه صديق طاهر برغم ما يبديه من مرح وفكاهة . 
ولا أزال أذكر أله وحزنه يوم فصل من الأزهر لاشتراكه فى تأليف جمعية هو . 
وبعض الأصدقاء وكانت كلمة « جمعية » فى ذالك الوقت تخيف المسثولين وتجعلهم 
يتوقعون منها القرد والعداء للنظم القانة . 

وراح طاهرايسعى لإلغاء فصله » واستطاع أن يأخذ موعداً لمقابلة شيخ الأزهر 
الأحمدى الظواهرى») وجعل يعد قصيدة بمدحه فيا ويتقرب إليه بها كى بعيده 
إلى طلب. العلم . ... ولحت أمامه قائمة كتب فيها الكلات الى تنتهى بالدال 
المكسورة وتتمثبى م القافية الدالية كالأحمدى » فرأيت فيا كلمة «إدلعدى ! » 
الى اترددها النسوة فى خطابين . 

- ما هذه؟ اتقول لشيخ الأزهر ديا دلعدى»).؟ 

- قد أحتاج إليها فى قافية ! 
وشحكنا فمكا صافاً برقم الألى > أو قل حبحكا أذهب الألى.ء 

ويبدو ذلك الجد الحزين فى شعر طاهر أبو فاشا الجاد . . يرغم مرحه المعهود 


54/ 


الذى لايزال والذى يشبه مرح الطفولة . . جاءنى عندما تقرر قبولنا فى دار العلوم 
وعم السن الزائدة عن سن القبول » عمرانا متقاريان - جاءنى صاتحا فى فرح 
طفولى « خلاص . . لم نعد محاورين » وكانت فى نفوسنا عقدة أننا يجاورون . وقد 
زالت هذه العقدة والحمد لله . ولولا أنها زالت لما أقررت بها » بل أكثر من ذلك 
قد نعتر بأن كنا مجاورين فى الأزهر» إن صح أن نعتز بشىء . ش 
8 8 

طبع طاهر أبو فاشا ثلائة دواوين وهو طالب » وكان أونا وهو فى معهد 
الزقازيق والثافى فى معهد القاهرة الثانوى » والثالث فى دار العلوم » واسم الديوان 
الثالث ١‏ الأشواك » يدل على الحدية الحزينة » ويقول فى قصيدة منه : 
يا هاجرئئ. لاراعك الحجر وعداك من أحشائى الجمر 

وإنك لتعجب أشد العجب من ذاك الذى يضحك الطوب وفى أحشائه 
0 ْ 

وإذا أغضينا عن الديوان الأول الذى أسرع بإخراجه قبل النضج فإن ى 
الديوانين الثافى والثالث شعراً رائعاً يدل على الشاعرية المبكرة » وكله أو جله يعبر 
عن الجد الحزين . ش 

ولدينا أمثلة أخجرى لشعراء مصر بين عرفهم الناس من أصحاب الفكاهة فى 
امجالس » ولكهم لم يكونوا كذلك فى أشعارهم » منهم حافظ إبراهيم . وثمة 
العكس مثل محمود بيرم التونبى » ولله فى خلقه شئون . 

وانشغل طاهر أبو فاشا بالبرامج الإذاعية كا تعلم + فهو مشهور خاصة بألف ليلة 
وليلة التى كانت تذاع فى الشهور الرمضانية » ومن إنتاجه الإذاعى المعروف تمثيلية 
'رابعة العدوية التى مثلتها أم كلثوم وغنت فيها قصائد من نظمه أو قل من معاناته فى 
تمي . 


1: 


وله قصائد كثيرة فهو لم ينقطم عن قول الشعر » ولكنه حتى الآن لم يطبعها فى 
دروا + 

وفى أثناء وجوده فى الوظيفة بالادارة العامة للتوجيه المعنوى بالقوات المسلحة 
أل عدة كتب قومية منها كتاب 2 فى الوحدة العربية ومقوماتها . ولا أخالك إلا 
قرأت مقالاته الى نشرتها رن محلة « الثقافة » بعنوانك « صفحات من أدب 
الرحلات ٠‏ والتى كتبها عقب عودثه من رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية زار 
فيها ابنته وزوجها المهاجرين والمقيمين فى نيويورك » وأقى لنا ببذه التحفة التى تظهر 
قريبا إن شاء الله فى كتاب . 

وزع طاهر أبو فاشا مواهبه المتعددة على يحالات مختلفة » ولوكرست جهوده فى 
محال واحد لكان ا أو له شأن آخرء» ولكن هكذا كان » ولعل الخير فيا كان . 
وماذا بجىء منه بعد ؟ القام فى يده والباب مفتوح . 0 


سيد قطب 


عرفت سيد قطب شايًا أديباً من الطليعة فى عصره ». تخرج فى دار العلوم » 
وشرع يكتب شعراً ونثراً » والنثر بين مقالات وقصص قصيرة » يتردد إلى العقاد ) 
وبعد من تلاميذه ومريديه امجددين . 

أل ما قوت لدحتقالانة لق مورقة أدبية تقزيكه ين ورون هد سيد العزيا قي 
محلة الرسالة . كان أحدهما أهلاوى ( والآخر ١‏ زملكاوى ).. فسيد قطب 
متعصب لعباس محمود العقاد » وسعيد العريان متعصب لمصطى صادق الرافعى 
وأصل الخصومة الأدبية بين القطبين : العقاد والرافعي . العقاد وأولاده إنسانيون 
والرافى. وأنضاره .مبمرن بالتبرقش الكلمى . وعلى هذا الأباس هارت ريحي 
المعركة بين الشابين » كل منهم| متعصب لأستاذه . 

والواقع أنى كنت أميل إلى حجج سيد قطب ى هذه عرق 6 ركذا نندت 


اه 


لنفسبى أن أقول الآن كصدى لا كان : إن العقاديين إنسائيون » والرافعيين 
متبرقشون ! وى فبّرة لاحقة رأيت أن الإنسان « يحتاج إلى معالحة أدبية أخرى غير 
معاللحة العقاديين » معالحة مهم بحياته ومجتمعه » ولا بفردبته وتميزه أو أكثر من 
فرديته وعيزه١‏ . 

ووجدت ذلك فعلا عند سيد قطب لا تقدم فى جياته وفى أدبه واستقل 
بشخصيته عن العقاد وإن ظل صديقا مواليا له . ولم تمنع هذه الصداقة سيد قطب 
رئيس تحرير « العالم العربى » من أن ينشر هجوما على العقاد فى امجلة على نحو ما 
ذكرت فى الكلام على العقاد . كان هذا فى المرحلة الثانية من حياة سيد قطب 
الفكرية . 

ذلك أفى أستطيع أن أقول إن سيد قطب مر فى حياته الفكرية بمراحل ثلاث 
على وجه الإجال : المرحلة الأولى. تتلمذه على العقاد واعتناق ارائه » والمرحلة 
الثانية استقلاله الفكرى والتفرد بتورية أدبية شاملة تتميز بالسخط على الأوضاع 
القائمة . سواء فى السياسة وفى غيرها من نواحى الحياة. وكان سلاحه فى هذا 
المقالات النارية التى كان يكتبها فى ١‏ الرسالة » وى محلة ١‏ العالم العربى ؛ الى 
أسندت رياسة تحريرها إليه ؛ وكان ذلك عقب نكبة فلسطين وقيام دولة إسرائيل » 
وكان فى ناحية السياسة ينقد. بشدة اختلاف العرب وتقاعسهم كا كان يكتب فى 
النقد الأدبى بأصالة وبصيرة نفاذة وتذوق فنى » ولا تحول إلى الدين فى المرحلة , 
الثالئةكيا سئرى » فقده النقد الأدبى وخلا مكانه فيه » وله كتاب نظرى فى النقد 
الأدبى ليس على مستوى نقده التطبيق . ١‏ 

وفى هذه المرحلة الثانية اشتبك مع محمد متدور فى معركة أدبية حامية » دارت 
رحاها على« الممس » فى التعبير الأدبى أوم الأدبالمهموس » الذى نادى به مندور 
فى محلة ‏ الثقافة » فانبرى له سيد قطب ف « الرسالة » متهماً هذا الحمس بأنه نعومة 


إن 


واسترخاء فى الوقت الذى نطلب فيه الجهارة والقوة والصدام . وكان ذلك من 
ثورية سيد قطب الفكرية العامة البتّى تصاعدت وتفاقت حتّى بلغت القمة فى 
المرحلة الثالثة . ا 

وكان سلاح سبد قطب فى هذه المرحلة الثانية المقال وهو من كتابنا الذين برعوا 
فى فن المقال » وأهم كتبه إذ ذاك مجموع مقالات مثل كتاب «كتب وشخصيات » 
الذى نشرت مقالاته الآدبية النقدية فى « الرسالة » . 

وكان ينطلق فى ثورته الإصلاحية من ممرد التعبير الأدبى » حتى أنه عندما ألف 
كتايه « التصويز الفنى فى القرآن» وكتابه « مشاهد القيامة » كان جهده مبذولا فى 
تببين الصور الأدبية وجلاء الناحية الفنية أكثر من أى شىء آخر. 

ويبدو أن كثرة تأمله فى القرآن نقلته إلى المرحلة الثالثة : إلى الفكر الإسلامى 
الذى استغرق فيه تماماً - وشغل به عن المسائل الأدبية والنقد الأدبى الذى كان 
اهرّامه به أكثر فى المرحلتين السابقتين » ويمثل استغراقه الإسلامى كتاب ٠‏ فى ظلال 
القرآن ) خير عثيل . 

م يكن سبد قطب من « شلتنا » فى قهوة الحلمية » وإن كان يزورها أحباناً طلباً 
لصديقه طاهر أبو فاشا » وكان مما يجمع بيب ولاؤهما للعقاد » وظلت علاقتى به 
من بعيد فى المرحلة الأولى . ثم توطدت صداقتنا فى المرحلة الثانية واشتركنا فكريًا فى 
حمل هموم مجتمعنا » وكنت إذ ذاك أكتب فى محلة الرسالة الباب الأسبوعى 
« الأدب والفن فى أسبوع ؛ وأذكر أنه قال لى فى مناقشة عن الاتجاهات الأدبية : 

إنبى أشعر أننا فى حاجة إلى مرحلة ما بعد العقاد » إلى الالتقال من الذهنية 
الغالبة والخواطر العقلية إلى المشاعر والوجدان . ٠‏ 

وكنا نلتقى فى أماكن مختلفة ؛ منها إدارة الثقافة فى وزارة المعارف البّى نقات 


إليها من التدريس » وكان هو فيها من قبل » وقال لى أول ما رآ هناك : 
مبروك » التدريس ١«محزرة‏ للأديب ا 

ومن تلك الأمااكن «وقطار حلوان» الذى حل محله ١‏ المترو الحالى ) كان يسكن 
فى حلوان وكنت أسكن ف المعادى » وكان القطار يحرى بنا بين محطة باب اللوق 
والمعادى وبالعكس » هادثاً يكاد يكون خالياً- لم نكن قد تكاثرنا بعد » وقد 
زحمته أنا بعد ذلك خمسة من الأولاد ! كثيراً ما جلسنا وحدنا فى « ديوان » من 
تلك الدواوين ذات المقاعد الجلدية الوثيرة » وعندما يصل القطار إلى محطة 
الوصول ينقطع الكلام : كأن قد أدركنا الصباح وأسكتنا عن الكلام المباح . . 
وقد. نتمشى فى حى باب اللوق نواصل الحديث . 

عرفته فى هذه المرحلة شق المشاعر نحو الثورة الإصلاحية » وألف فيها كتاب 
العدالة الاجيّاعية » وكان هو صاحب هذا التعبير الأول حينا كانت كلمة 
« الاشتراكية » كلمة شائكة . . كانت أختاً لكلمة « الشيوعية ٠‏ » والكلمتان من 
ينطق بها داعياً أو محبذاً يعرض نفسه للباب الذى تأق منه العواصف » أما 
: العدالة الاجمّاعية ٠‏ فهى مساوية للاشتراكية » ونستطيع أن نقولها دون أى 

وكنت أزوره أحياناً فى منزله يحلوان » فأجد هناك الصديق الشاعر محمود أبو 
الوفا الذى كان هو أيضاً مشغولا بالتعبير الشعرى عا نقصد إليه فى مناقشاتنا 
ومحاوراتنا . : 
ولا أنسى ليلة قضيتها فى قسم ٠‏ البوليس » بحلوان . . إذ اشتبه فى رجل شرطة 
غبى وكنت فى منطقة « عين حلوان ١‏ أتنزه. . فلا راق هناك ليلا أمسك فى متهماً 
إياى بوضع قنبلة عند العين لنسف مبناها » وعلى هذا « الافتراض » فأنا عميل 
صهيونى . . وكان ذلك عقب قيام إسرائيل . قال لى ضابط الشرطة ٠‏ النوبتجى ؛ 


كن 


فى القسم : رف أحداً لون يضمنك ؟ فلت نم . وأمليته عتوان سيد قظبي.. 
ركان لا يزال مأموناً موثوقا به عند السلطات . . . وجاء الصديق المنجد . . جاء 
لل يا رناب ا راد مده عات 
وعرف الموضوع .من رجل الشرطة الذى استدعاه . فلا دخل ورآفى أشار إلى 
ضاحكاً وهو يقول للضابط : إنه صهيوق خطر. . لا تدعوه يغلت ! وخرجت 

من القسم ناجياً من النوم على « البرش.» فى الساعة الثانية بعد منتصف اليل . ! 
وكتبت على أثر ذلك كلمة فى ١‏ الرسالة ٠‏ بعنوان « الأدب والفن فى قسم حلوان » 
وبما يذكر أن الضابط كتب فى المحضر: ١‏ وبتفتيشه عثر فى جيوبه على شعر 
ومقالات »وق سنة ١48٠‏ سافر سيد قطب إلى أمريكا مبعوثاً من وزارة المعارف 
(وزارة الثربية ) فى ررجلة ثقافية استغرقت نحو سئة » اختاره لها وزير المحارف 
و إسماعيل. القبانى » وكان هذا يقدره ويقربه . 

وتبادلنا الرسائل . وأخذت مراسلاتنا صيغة عامة » بحكم ما جرينا عليه من 
الناقشات فى الموضوعات العامة » لهذا كنت أنشرها فى باب « الأدب والفن فى 
أسبوع ١‏ بمجلة الرسالة : أذكر أنى قلت له فى رسالة منها : إفى ( قرفان) من 
الأحوال عندنا . فرد على يعاتينى على أننى ( قرفان) . . على حين يحب على أن 
أسخط » ويجب أن نعلن سخطنا » وأن السخط هو المنطلق نحو الحدف » ولا يكنى 
(القرف) . ويجب على كل من ينزل به ظلم أن يحأر ولا يسكت ٠‏ فإن السكوت 
جريمة » لأنه يطمع الظالم . يقول فى ذلك : 

٠‏ . وتقول : من حى أن أكون « قرفان » من جانب -التنا التى لا تسر, 
ادق رول أن أبنمك من ١‏ القرف+ 1 ولكق أحب أن يديل هذا (القرف ) 
سخطا . نحن فى حاجة إلى السخط على أوضاعنا الحاضرة لا إلى ( القرف ) منها » 
فإن معناه أن ننفض أيدينا من الأمر يائسين» . 


هه 


٠‏ وإذا آمنا بأن لنا رصيداً من كنوز الطبيعة الأرضية ومن كنوز الطبيعة البشرية 
غل السواء + وأ حفنة من + الباشرانةة :وه الكروش و حى التي تيمل طلك كله 
وتقبله » فإنه يكون أمامنا أن نصنع شيئاً » أن نجمع كل العناصر الساخطة 
لمتيقظة » لننشئ سياسة جديدة » وليس من الضرورى أن نننظر الخلول الجاهزة من 
( موسكو) كما يحاول أجيانا بعض الدوعين فى موسكو . أن حلولنا يحب أن تنبت 
من بيئتنا وظروفنا » يحب أن ندرس أولا واقعنا ثم نجد الحلول الحلية البى تناسبنا» . 

و وأنا أؤكد لك ما أنا واثق به إلى حد العقيدة : إننا نملك حلولا أهدى وأقوم 
من الحلول الواردة من لندن :أو واشنطون على السؤاغ؛ . 

« إننا نملك « العدالة الاجّاعية فى الإسلام » وهى كقيلة بأن تنشيئ النا مجتمعاً 
آخر غير هذا الذى نعيش فيه . مجتمعاً إسلاميًا متحضراً يؤمن بالسماء ويؤمن 
بالأرض ء لاما يحسب الجاهلون أن الدين تزهد وتقشف وتخل عن شئون الأرض 
للمفسدين » . 

ويقول سيد قطب فى رسالته إلى : 

( وأفرغ من هذا إلى تعليقك على رسالى إليك . . . عن تلك الحفنة من 
« الباشوات » و« الكروش 0 وعن تلك «الحفنات » الى تحدثت علنها من 
الوصوليين الذين يسيرون فى ركابهم ويصهرون إليهم وغير ذلك من أساليب » 
فيكتالون ويستوفون وهناك مئات من ذوى الكفايات يقعد بهم الحباء وتحتجنهم 
الكرامة فيبملون . . . . وبذلك تبرم البلاد من خير أبنامها وأوفرهم حياء وكرامة » 
ويحرمون هم مما تلغ فيه « الكلاب » ىا تقول . 

: أنا لا أومن بهذا الحياء» الذى يقعد بأصحاب الكفابات عن بلوغ حقهم » 
وترك الكلاب تلغ فى الاستثناءات وغير الاستثناءات , 

١‏ بل أنا أشك فى (كفاية ) هذه الكفايات .الى ترى حقوقها تؤخذ وتعطى 


كه 


لكلاب من الرصوليين » ثم تتقبل ذلك راضية وتستنيم ! . 
ولو أ كل هذه الجموع من المرظفين وغير الموظفين ‏ الت لا تملك صهراً إلى 
وزير أوكبير » ولا تملك الوسائل الأخرى التى لا يرضاها الرجل الشريف والتى 
تقفز بأصحايبا فوق الأمناء الشرفاء . . . أقول لو أن هذه الجموع كانت لها كفايات 
مننية االسكيق عل جذا الله ٠.‏ ولا يكت هله العا لكر تمل حعطوا 
فى داخخل الدواوين وخارجها » . 
لا أظن أنفى أثقلت عليك بنقل تلك الفقرات هنا » ذلك الكلام الذى كان 
يصور حالا قائمة » ولاتزال لها: ذيول . 
عاد سيد قطب من رحلته إلى أمريكا كا هو ساخطاً حتّى على أمريكا نفسها ؛ 
كان يعتقد أن الحضارة الغربية هناك قد شملت نواحى الحياة المادية من حيث نرف 
الانسان وتلبية احتياجاته المادية » ولكن ليس لا قم أو مثل كا عئدنا . ركنت أقول 
له : أين ما هو عندنا والخالكيا نرى . . . . تأخر فى الناحيتين » فلا ماديات ولا 
روحيات ؟ على أنى لم أسلم مطلقا بأن الساوك هناك متأخرى] هو عندنا . 
5 إن القم والفضائل والسلوك القويم أشياء كامنة فى خياتنا وتحتاج إلى إبرازها 
وإزالة الغا عا 
- هذا أمل لا بأس به » ولكن . . . متى ؟ وكيف نعتز بما هو مفقود فى 
أعالنا وتصرفاتنا ؟ ا 5 
هكذا كانت المناقشة بيننا غريبة . . . هو أت من هناك ساخطاً على ما هناك 
٠‏ وأنا قابع هنا أدافع عا هناك . ش 1 
ونحن جميعا نشترك فى « السخط » وقد اعتذرت له عن محرد « القرف » 
واعلنت سخطى . 


لاه 


وجاءت ثورة 7 يوليو سئة 19487 وأحسسنا أنها تعبر عن ذلك« السخط ع 
ورأيت سيد قطب فى حالة نشاط غير عادى » تحمس للثورة كوسيلة للتغيير وأمل 
فى أحسن . ولكنه ركز على وزارة التربية » ونقد أساليها فى التعلم نقداً شديدا- 
وصورها بانها لاتزال تسير على سياسة ١‏ دثلوب » الإنجليزى الذى يمسك بزمامها 
ويديرها طبقاً لسياسة الاحتلال الرامية إلى حرد تخريج موظفين متشبعين بالروح 
الإنجليزية . 

وكان يتردد إلى (محلس الثورة) وتردد اسمه فى الصحف » ضمن أنباء 
اجتّاعات ولقاءات » وشممت من بعيد: رائحة تطلعه إلى تولى وزارة التربية . 
ولكن . . . تولاها سيد يوسف الذى كان بمت إلى جال عبد الناصر بصلة عائلية . 

وشعر سيد قطب يخيبة الأمل فى ذلك المنصب . واشتد سخطه على «الأحوال 
الجارية » عامة وعلى الصحافة بوجه خاص » لتخليها عن مهمتها فى التنوير وصدق 
التعبير وجنوحها إلى طريق الاثارة والتفاهة . . وأذكر ندوة اشترك فيها » وقال فى 
الصحافة ما قاله مالك فى الخمر. . . وكنت إذ ذاك عرراً فى جريدة ١‏ الأخبار» 
وحضرت هذه الندوة لأكتب ما يدور.فيها للجريدة . ونختى سيد قطب منهمكاً ى 
التدوين . . فقال لى هامسا . أرح نفسك فلن ينشر ما تكتب ! ولم أعر قوله 
التفاتا » وكتبت ما قال سيد قطب » وقدمته للنشر. . فلم :ينشر. . . واستبانت لى 
سذاجى وه عبطى ؛ ! 


' 
نا + 2« 


ثم ترامت إلينا أنباء امهماك سيد قطب فى المعارضة مع الإخوان المسلمين ؛ 
فالواقع أن علاقتنا انقطعت فى هذه الفئرة » لاختلاف السبيل الذى سلكه كل 
منا » فقد بقيت فى محراب الأدب ؛ وبعد هو عن هذا انحراب ؛ أو قل إنه جر 
الأدب إلى « الدعوة » فإن خير ما تركه فى هذة الدنيا مؤلفه الدينى الأدبى العظم 


مه 


وى ظلال القرآن » . 

لس ق سيد قيلت ل أثناه علاقنا بارعلة التوبيطة + ولم أعرف عنه 
قبلها » أنه مشغول بقصيدة دينية وبتحقيق مقتضياتها » بل على العكس من 
ذلك » كأن فى المرحلة الأولى على كثير من المحون الذى بصطنعه بعض الأدباء » 
وف المرحلة الثانية كان - كا رايت - مشغولا بالثورة الإصلاحية والتعبير الاولى عنها 
من غير إغراق فى الشئون الدينية » وكان يرى - كا قال لى فى خلال مناقشة 
بيننا - إن الدين ضرورى لقيادة القطعان البشرية ولا يمكن أن يسلس قيادها 
لغيره » وأعتقد أنه كان ينظر إلى الإسلام على أنه ثقافة إنسائية » وأنه نظام صالح 
لحياة بشرية راقية » بغض النظر عن غير ذلك . واعتقد كذلك أنه.مر بمرحلة شك 
قال له زنديق : إن إثبات وجود الله أمر صعب . . فرد عليه قائلا فى حيرة : 
ونفيه أيضاً صعب »! . 

وفى المرحلة الثالثة » التّى انبمك فيها اباكاً كليًا فى الدعوة الديئية على طريق 
الاخوان المسلمين حدثنى بعض الأصدقاء بأنه كان ضادق العقيدة مجاهداً فى سبيلها 
إلى درجة الاستعداد للاستشهاد ... ويقول بعضهم . إنه نال ما تمى . 

وبما قاله لى بعض, الأصدقاء إنه رآه مرة فى الفترة الأخيرة من حياته » وكانت 
عين السلطة عليه وعلى تحركاته رآه يتمشى على شاطئ البحر فى مصيف رأس البر» 
فناداه من بعيد يستوقفه » وما اقترب منه صافحه . ثم فوجئ الصديق به يدفعه عنه 
ويشير إليه أن يبتعد. . حتّى .لا يقع فيا يحرى عليه . 

وقد أكبرت سيد قطب أو أكبرت ذكراه كل الاكبار لماسمعت أيضاً من 
صديق » قال إن سيد قطب حدثه قبل أن يكتب شيئا فى ظلال القران يقف 
للصلاة بين يدى الله ويتلو ماسيتعرض للكتابة عنه من آيات الكتاب » يتلوها 
بتذوق وإمعان ؛* ويتشبع بماتوحى إليه من المعانى والخوالج ؛ ثم يكتب ... 


4ه 


أكبرت ذلك للصدق الكبير فى التعبير. 

والواقع أن سيد قطب- - برغم كل شىء - كان ظبوناً جد إلى درجة 
قاتلة . . . وكان فى الوقت نفسه شمعة تضىء ء وتحترق . ولعله كان يرمى .من 
طموحه إلى الرياسة أن يتمكن من العمل . 
: وقد اتخذ للطموح عدته :من دأب وكفاح وتكريس » فلم بتزوج ولم ينشغل 
بأولاد كا تزوجنا وانشغلنا . والأولاد محبئة . وقد وقعنا فيها . 

ومع ذلك الطموح الكببرء بل الإنزاط فيه.إلى حد أن ثقل به . . . لم يلجا. 
إلى دخل أو بمريج للوضول . ْ : 

كان جادًا مترفماً » أذكر عقب عودته من أمريكا أن كتبت عنه جريدة اللصرى 
شيا قالث فيه و التكتور سيد قطب 8 فكتب فى العدد التالى أنه ليس « دكتوراً» 
00 يمكن أن يترك ذلك اللقب يجرى على الأقلام والألسئة تينع مسئلاا ” 

.. كما يفعل بعض المواطنين . 


محمود حسن إسماعيل 


م ينشأ محمود حسن إسماعيل كا نشأنا » نغ أدبا أحسن من انشأتنا . . بدأ 
يفهم الأدب على نحو اقتنعت أنا به فيا بعد. .. 

بدأت أقرأ الأدب العربى المأثور » وما يصل إلى أو ما أصل إليه من الآداب 
الأجنبية المترجمة » وإلى جانب هذا وذاك كتابات وأشعار أدبائنا المعاصرين » 
وأختلط ببعض هؤلاء وأتأثر بهم شخصيًا جا أتأثر بما يكتبون وينظمون . وكان كل 
ذلك يحرى فى القاهرة . ش 

وكانت .حصيلة ذلك كله إلى جانب ما أتلقاه من أساتذة فى المدارس والمعاهد 
الطباعاً تقليديًا وفهماً للأدب على أنه كلام فخم برص رضًا بحيث تتكون منة 
«لوحات ؛ تلعب فيها الكلات دور الألوان فى اللوحات . 

وفى خلال ذلك تحاول الآداب الأجنبية العامية أن ترسل بصيصاً يضىء 


له 


برهة » 5 يتغلب عليه ذلك المأثور 

والمعادلة الصعبة - كا يعبرون فى هذه الآونة - أن أدباءنا المعاصرين أو 
معظمهم أللوا بالثقافتين العربية والغربية » ووأنا أدناء الغرب يعبرون عن شعوبهم 
بأصالة وصدق » ولكنهم مع ذلك غارقون إلى الأذقان فى تكوين ١‏ اللوحات » 
وإن كانت خليطاً من آثار أدباء العرب وأدباء الغرب على سواء » حتّى الذين أخذوا 
فى القصص الحديث عن الآداب الأجنبية الحديثة » كانوا كذلك من المغرمين 
باللوحات ذات الخط الكبير من الكلام المرصوص الحميل » والخط الضئيل من 
التعبير البسيظ العميق عمن حوهم من ناس وما حوهم من أشياء . ولا يجلاعنا ما 
يتضيله كلابهم من الدعوة إلى أدب قومى يعبر عن البيئة المصرية . 

أما محمود حسن إسماعيل فن حسن حظه أله جاء إلى القاهرة متأخراً كبيراً بعك 
أن تكون فهمه الفطرى للأدب بين الأكواخ والحقول » جاء إلى القاهرة من قرية 
فى قلب الصعيد اتها كر .قرلا واه الأدبى فيها » تلك هى قرية 
« النخيلة ٠‏ . 

قال لى الصديق الذى فقدناه اليوم ففقدنا بضعة منا » وهو يحدثنى عن نشأته : 
«وعشت فى قزيتنا السنوات الأول » ولم أكن فى معظم الوقت مع أهلى فى 
والخرج وبل سدم أعيش فى الغيط على مشارف هر النيل جنوب « أبو تيج ؛ 
أشارك ف العمل : أعزق الأرض وأبذر الحب وأتابع البذرة منذ غرسها حتى 
الحصاد » وتعلمت فى ١‏ الخص » ودرست فيه . وتقدمت إلى امتحان شهادة 
د البكالور ريا ؛ من الخارج وحصلت عليها نظام دار العلوم - ثم رحلت إلى القاهرة 
لأدخل دار العلوم . 

كنت أقرأ فى « الخص ؛ الصحف وخاصة « البلاغ الأسوض ١‏ وهو اللخ 
الأدبى الذى كانت تصدره أسبوعيًا جريدة البلوج .كانت هذه الصحف تأق إلى 


"7 


« الباشا» صاحب الضيعة امجاورة لحقلنا » كان واحد يعمل عند الباشا امه فريد » 
يذهب كل يوم إلى مكتب البريد لإحضار بريد الباشا وفيه الجرائد والحلات . وكان 
فريد يمر لى فأتصفح بعض ما يحمل » وآخحذ منه البلاغ الأسبوعى لأقرأه فى يوم أو 
يومين قبل أن يوصل للباشا. . لم تكن لدى فى الخص أية كتب غير الكتب 
المدرسية » ولم أقرا شعرا غير امحفوظات المقررة » ومن هذه المحفوظات بدا رفضى 
لكل قول مكرر وتعبير زائف . 
اصطدمت بمحمود.عندما قرأت ديوانه الثانى « هكذا أغنى » و أكن قرأت 
ديوانه الأول ١‏ أغانى الكوخ » وإن كنت قرأت بعض ماكتب عنه وما وجه إليه من 
حملات . . 
أهدى إلى نسخة من « هكذا أَغنى » وقد تعارفنا فى يحلة الرسالة التى كنت 
أعمل بها وأنا طالب بدار العلوم » وكان هو ينشر بها أشعاره . رأيته من قبل وأنا 
طالب بالسنة الأولى فى دار العلوم وكان هو قد تخرج وأنبى دراسته فى ذلك العام 
..(195 ) جاء إلى أستاذنا « محمد هاشم عطية » لعله كان يطلب وساطته فى 
وظيفة . جلس فى مقعد من مقاعد الطلاب وهو يقول للأستاذ : كم يسرنى أن 
أعيد هذه الجلسة معك كأستاذ ! ونظر بعضنا إلى بعض معجبين مندهشين : هذا 
هو الشناعر الشاب الخريج محمود حسن إسماعيل الذى بدأ نجمه يبرغ فى سماء 
الشعر» حقًا إنه هو. . . دارت حول ذلك #مساتنا فى حجرة الدراسة . 
قرأت ديوان « هكذا أغنى » فاصطدم اتجاه الشاعر فيه بالمفهوم الذي استقر 
عندى إذ ذاك : وكتبت عنه كتابة من يختلف معه . كنت متشبعا بالروح التقليدية 
من حيث المضمون الاجتّاعى » أو فى الحقيقة كنت لا أزال موزعا بين الاتجاه 
التقليدى وبين اتجاه آخ ركنت أشعر بإرهاصاته فى نفسى » اتجاه يعن بالتعبير عن 
الناس ومواجعهم أكثر مما يعنى بشىء آخر.. 


وه 


كنت متأثراً ما قيل وما كتب عن الديوان الأول « أغانى الكوخ » الذى لق 
هجوا عا من بعض التقاد » حتى أن أحدهم كتب عنه بعنوان « شاطر يكتب 
عن أساع القرية » وفى رأى هذا الكاتب أن الشاعر أو الكاتب لا يكون شاغرا أو 
كاتباً حمًا إلا إذا كتب عن جإل القمر ى القرية مثلا . أما الأسباخ والأتربة 
والإنسان المتمرغ فيبا فلا يليق أن يتناولها من يحترم نفسه ! 

وكانت الاستعارات البعيدة الى يستعملها شاعرنا موضع التندر والفكاهة فى 
الجالس مثل قوله عن الكوخ : يعثر عليه الدمع » إذ كتب ناقد يقول إن التس ل 
يبعثر وإنما يسكب . . والواقم أن محمود حسن إسماعيل كان يبعد أحيانا كثيرة 
ويشتط حتى يتعب قارئه ويضطره ه إلى أن يعيد قراءته حى يعى ما يقول . وكان 
يوغل وراء ما ما بريد صيده » فإما أن يدركه ويأق به وإما ألا بأق بشىء ذى بال . . 

وتابعته فى أطوار شعره » وأخذت نفسى بالصبر فى قراءته » وأعتقد أفى أنصفته 
من نفسبى بعد أن أنكرته » وعبرت عن ذلك فى كتابالى عنه , 

فى العهد الأول كان ينفر منى . . وخاصة بعد كتابتى عن « هكذا أغنى » 
وحدثنى بعد ذلك أنه مكث أسبوعاً لا ينام لأنه تخيل أن ورا من ألبونى عليه من 
الخصوم الذين يحاربونه ! 

وانعقدت أواصر الصداقة بيننا » إذ لمست فيه إنسانية صافية » وببرتى 
شخصيته المترفعة عن الصغائر . وكانت فيه تلقائية صريحة نحو الذين لا يضمهم » 
أذكر أن كنا فى مهرجان شعر بالإسكندرية » وكانت إحدى الشاعرات تقتحم 
حلسه وتحاول أن تتقرب إليه » فكان ينبرها قائلا لها فى لحجة صريحة : ابتعدى . 
أت المت أن رقيقة . . عونك #القسو / 

توقفت علاقتنا شيئاً فشيئاً » وكنت أتأمله وأتأمل تصرفاته فى الرحلات الأدبية 
الى اشتركنا فا بالخارزج والداخل .كنت أراه أجياناً يمشبى كالتائه أوكمن يبحث 


1 


عن شىء لا يحده . كنا مرة ببغداد فى طريقنا إلى أطلال ديوا ن كسرى + وقد أشرقنا 
غلى تلك الأطلال القريبة من مديئة بغداد وكنت أمشى إلى جاتب الصديق, عبد * 
الرحمن الكشرقاوى الذق. لمم ممموداً وهو شارد النظر. قال لى الشرقاوى : 

- انظر إلى محمود حسن إسماعيل . . أمره عجيب ! 

- إنه بمشى بعيداً عن الركب منعزلا كأنه يبحث عن شىء يعنيه هو ! 

واتفقنا على أنه شاعر » لا كالشعراء الذين يتحلون بلآلئ الشعر . . وإئما هو 
يعاق العبير الشعرى .. وهذا يستيد. يد » وهو “لا جد فكاكا عنه | 
' ومرة كنا عائدين من رحلة فى البحر الأحمر وفضلنا العودة عن طريق. 
و القصيره وه قنا » ثم ركوب قطار الصعيد إلى القاهرة . وف القطاو نحت صديق 
محمود حسن إسماعيل ينظر من ناقذة القطار وعلى أساريزه علامات ١‏ السفر إلى 
الآفاق البعيدة « ذلك » السفر الذى يقوم به وهو جالس معلك . . كان القطار 
يقرب من ١‏ النخيلة ٠‏ مسقط رأسه ومراح طفولته وشباية . 

وسألته : ماذا هناك ؟ 

قال : ذلك ١‏ الخص » ألا تراه ؟ 

إنه ه الخص ؛ الذى ولد فيه لاأقصد ميلاده الحقيق » بل ميلاده الشعرى وهو 
الذى سبقت الإشارة إليه . إنه وإن لم يقل الشعر فى هذه الفترة » قدتكؤنت 
شاعريته فى هذا الخص ٠‏ يتأمل ماحولة ومن حوله ويخترن الصور الشعرية أو مادتها 
الام , يستمع إلى أصوات الغربان والبوم والحداهد » وإلى شدو السواق وبكاء 
الشادوف وإلى عزامير العاة » وكان هو يزمر فى زمار البرسيم ( ساق نبات البرسيم ) 
وكثيراً ماغنى مع الفلاحين الأغاق الفتكررية كفا « دق الذرة ») وتسمى هنا . 
السنظاح تبدأ هكذا : : 

بقول رجل وهو يهوى بنبوته على كيزان الذرة منغماً صونه فى قوة وعزم 


14 


«وجاهيل : فيرد الباقون عليه وهم بدورهم يبوون على الكيزان بالعصى 
الغليظة ب ياراجم الله ) 

عي لذ جاء إلى القاهرة وتحركت فى نفسه بواعث الشعر » تذكر ذلك الكوخ 
وحن إليه باكياً: 

بعثر عليه الدمع ماصفقت فى قلبك الألحان ياشاعر 

وطف حوالى ركنه والقس نور الحدى والرشد ياحائر 

هنا خبايا النفس مطمورة نمشبى عليبا الزمن الخائر 

صوت جديد على أسماع القاهرة » كان المترفون من أهلها أدبا وفئانين - 
يتغنون بالريف وجال الريق: وما أحلاها عيشة الفلاح 21 ركاة:هومشغولاً عا هو , 
نحت القشرة الزائفة كل مايقال كلام مكرر » يقلد فيه اللاحق السابق . وكان هو 
يريد أن يقول شيئا جديدا يعبر به عن الواقع » وهو غير. مايقولون . 

وارتقع صوت الكوخ حتى فى وجه الملك . . فارؤق + . طاف الملك با الصعيد 
لمواساة أهله بعد اتتشار حمئ: الملاريا » وفتكها بهم ؛ وعاد إلى العاصمة واقيمت 
له حفلة تكريم » قال فيها شاعرنا الشاب : 
وجاس بالكو أرضاً غرس نبتها جوع وشكوى وأسقام وعلات 
ترى العفاة فيها فانين تبصرهم وفيهم من بى الدنيا علامات 
مهلهاون على أبداهم مزق2 كأنمها لصراح البؤس رايات 

. وقد عيب عليه أن يمح املك وخاصة بإصدارديوان: الملك» » عيب عليه ذلك 
بعد زوال الملابسات التِى قال فيها ذلك الشعر » وتلك الملابسات تقول إن فاروق 
كان ذلك الوقت لايزال شابا تعلق به آمال الشعب » لم يفسد بعد وكانت له 
مبادرات طيبة مثل مواساته لأهل الصعيد ف الملاريا وكان كل بمدحه من شعراء 
وغير شعراء » وغنى له كبار المطربين والمطربات وعلى رأسهم غبد الوهاب 


"11 


وأمكلثوم » فكان مدحه تعبيراً شعبياً صادقاً على أن مدح محمود حسن إسماعيل 
للملك كان يتضمن كثيرا من صور الشعب الكادح ويعبر عن كدحه وتطلعه » 
فكأن صوت الكوخ يقول للملك نحن هنا ! أما أن فاروق انحرف بعد ذلك عن 
صالح الشعب فهذه مسألة أخرى . 


:1 
ج # د # 


عقب أن جاء مر إلى القاهرة شعر بأزمة نفسية عميقة كادت تحمله إلى 
العودة إلى القرية » ركب القطار لأول مرة فى حياته ونزل إلى العاصمة فرأى عالمها 
الصاخب تتجسد على أرضها صور الترف ونسيان الإنسان الذى هو فى الغيط:” 
أيستخرج منه لأهل القاهرة خبرعم الطرى الث وهو غيد منه ! 

وكانت تلك الأزمة المحرك الأول لشاعريته » فن خلالها انبعت ألحانه الجديدة 
فى الحنين إلى الكوخ وبث مايعانيه للمدينة . 

وكان إذ ذاك طالباً بدار العلوم » وفيبا لق بعض المعاناة » ولكن يداً حميمة 
بها تلقفته » هى يد الأستاذ المتجدد دائماً و مهدى علام ؛ الأستاذ الشاب بدار 
العلوم . استكشفه الأستاذ كطالب شاعر متميز وشجعه وأعانه على طبع أغانى 
الكرخ ولا صدر الديوان دعا إلى حفل تكريم له بدار العلوم . وظل التلميذ وفيا ' 
لأستاذه عارفاً فضله يذكره فى كل مناسبة . 

بدأ قول الشعر يستمد من غخزونه فى القرية » ولم يكن قرأكتباً أو نقداً عن تطور 
الشعر والتجديد فيه » لم يكن عنده غير الكتب المدرسية » وغير ذلك انحزون الذى 
تكون من معاناته وتأمله ومعايشته لانسان الكوخ وما يحيط به من أشياء » يصره 
ذلك بزيث مايقوله الشعزاء وجطله يعر غللى ما أفلت. منبيء وهو الننى الإنسلق 
المعبر عن الإنسان « وعذاباته» » وظل طوال حياته الشعرية « مدرسة » وحده » 
يخطئ من ينسبه إلى الرومانسية أو إلى الواقعية الساذجة ! 


517 


قال لى مرة أنا أضع تفسى إن شعت فى مدهب «اللامذهب » وق الكون 
الأوسع لا الكون اتعدد الذى ينجذب وراء حبال النقاد » فالطبيعة السليمة للشعر 
والشاعر تأبى هذا الانقياد أو القثيل والامتثال . 

ومن ختزويه .فى نشآته بالخرخ الصور المستوحاة هن جو الكنائس والأديرة 
والرهبان » د إن البيئة التى نشأ بها تكثر فبها المعالم المسيحية وى قرية « النخيلة » 
شارع رئيسى اسمه « شارع الراهب » ويجوار ينهم هناك كنيسة كان يسمع اجراسها 
ويرئ عتدها يفص رجال: الدين الس , 

حدتتى صدييق حمود عن نشأته وحياته فى مناسبات كثيرة » وظالما جلسنا فى 
فهزةا عيدداك الطيرة فحدت أجانا + ولحاناً أحرى تضم فشعر غبلال الصمة 
بكلام كثير . . مزج ما مزج وأسعد بافبرار ثغره الأفلج الذى يضىء فى وسط بشرة 
صعيدية سمراء » وهو محتفظ بالنغمة الصعيدية فى كلامه . وفجاة أراه قد ضم شفتيه 
وسائرت عيناه إلى بعيد » كأنه يبحث عن شىء لا ييجده '. 

حدئنى عن متاعب لاقاها ولا يزال يلاقيها فى بيث أراد أن يبنيه فى القاهرة » 
فى «كون قاهرى » يستقر قبه هو وأولاده . عذبه الموظفون.فى محاولة استخراج 
0 كد ( وم حاولون 5 يبحصلوا منه على ماتشير إليه أيديهم ار المطالبة . 
وهو يألى » ثم سخر من احدهم فوضع فى اليد الممدودة قرشا فل) اجتاز عقبة 
الترخيص وقع فى عذاب «اللقاول» وعاله وسارق ١ادوات‏ البناء ... . إلخ » قال 
. وهو يعود بذاكرته إلى الوراء سنين طويلة ثم يقفز إلى الحاضر الملم :* 

- أذكر أن ٠‏ مونا عبود:» ابئة المليونير «عبود باشاء: ذهبت للنزهة فى مزارع أبيها 
بكوم أمبو » ونشرت صورتها 'وهى تأرجح ق أرجوحة لها ثلاثة حبال من الحرير 
الأخضر» هنبا اثنا عشر آلف -جنيه » فأوحى إلى ذلك بقصيدة : 


0 أوبجوحة ودمع 6 . 


5 


- ماذا قلت فى هذه القصيدة ؟ 


- قلت : 
تأرجحى ... تأرجحى .. قفلبذا أواق: الرح 
حول الحمى ياغانية< طفل حشاه دامية 
وأنت فوق الراسة مشغولة يآلة َ 
تأرجحى .. تأرجحى هذ أوان المرح 


وف قفزته إلى الحاضر المؤلم يقول : لم تنته تلك الصورة » وكل ماى الأمر أنها 
تتلون بلون العصر. . وأنا . . . بعد الكدح الطويل والمعاناة الطويلة . . لاأستطيع 
بناء كوخ ! ويزفرء ثم يقول وكنا فى ذلك الوقت قبل أكتوبر سنة 1910/8 . 

لا.. . ليس هذا همى » لا يبمنى الآن إلا أن أستعيد الوجه الذى فقدته فى 
عام /ا5١ا.‏ 

وعاد الوجه المفقود . . . وعلت الابتسامة الحلوة وجه الصديق الشاعر الذى 
حمل هم وطنه وجتمعه قرابة خمسين عاماً ولم يكد يحمل همه أأحد. . . حتى 
سافر إلى الكوبت منذ سئوات عقب إحالته إلى المعاش . . . كان فى نيته أن يكمل 
١‏ الكوخ القاهرى » ولا أدرى ماذا فعل الله به » حتى وافانا نعيه من الكويت . 
وجاءنا جؤاله فشيعناه إلى «الكوخ الأخير» . 

ويقينا نحن فى هذه الحياة التى تفقدها جزءاً فجز ءا كلا رحل صذيق وتخلف عن . 
ركب الحياة رفيق . ش : 

واحسرتا على الصديق الشاعر الإنسان ! 

أحقاً لن نرى تلك الابتسامة الحلوة بعد اليوم ؟. . 


565 


محمد فريد أبو حديد 


قال لى نأمون غريب الأديب لحرن ز“بالأخبار إنه رأى فى « أرشيف» اخبار اليوم 
رسالة من محمد فريد أبو حديد إلى مصط أمين يعاتبه فيها قائلاً له : إنك «سلطت 
على ؛ عباس خضر لكى يكتب ضدى ! 

وكان ذلك » أى حديث مأمون غريب إلى » بعد عدة سنين من تركى العمل 
الصحى هناك , وعدت عرراً بالأعبار وأكس باباً أسيوعناً فى أخبار اليوم بعنوان . 
«جولة الفكر» . ١‏ 

من تذكرت » أنا الآن صديق لقريذ أو حديد » ودما محبة إلا بعد 
عداوةم ا يقول المثل الدارج » وما أصدقه ! إذ تكون امحبة أو الصداقة قد 
توقلستة بعد أن مرك :ها عم عودها وخيريست منه اقويةا ظأفرة . ٍ 

كتبت ضد ذلك الرجل فعلاٌ فى «الرسالة» قدياً »؛ وق «أخبار اليه »بعد 


3/6 


ذلك ١‏ لم تكن تعجبنى تصرفاته » لكان من «شلة ») لجنة التأليئ والترجمة والنشر 
ومحلتها الثقافة» المنافسة لجلتنا «الرسالة» . 

والواقع أن فريد أبوحديد كان يكتب فى الرسالة أولاً محتفظاً بصداقته 
لصاحبها ؛ حتى كتب مقالات تاريخية » والتاريخ أصل تخصصه فى مدرسة 
المعلمين العليا التى تخرج فيها » تناولت خصومة بين أحد. السلاطين فى مصر وبين 
وزيره . قالوا إن فى هذه المقالات إبماء ورمزاً إلى الموقف الناشب بين الملك فاروق 
وبين .رئيس وزرائه مصطق النحاس » وفيها انحياز للوزير وترجيح لكفته فى 
الدفاع » إذكان هو يمثل رأى الشعب إذ ذاك ضد السلطان الذى لم يكن يرعى 
المضلحة العامة , 2 

وكان فريد أبو حديد برغم كونه موظفاً كيرا فى الدولة - وقنياً + وهذه 
المقالات انتصار للوفد ضد الملك . وفزع الزيات من أن محلته تستغل هذا 
الاستغلال الحزبى » وكان محايداً لا ينتمى لحزب من الأحزاب وبطبيعة الخال كان 
يخشى السلطة الممثلة فى الملك » فأوقف نشر مقالات أبو حديد . 

ومنذ ذلك الحين فترت العلاقة بين الزيات وأبو حديد » وكان أبى الزيات 
يرضعنى أحياناً - وأنا فتّى غر - كراهة منافسيه. وخصومه » وكيا ضحكنا متندرين 
باسم بحلة الثقافة » عندما صدرت » وكنا نسميها « السافة !)كا ينتظر أن ينطقها 
بائع الصحف عندما ينادى عليها ! 

وبرغم نلك «الرضاعة٠‏ كنت فى أعاق نفمى أكبر فريد أبو حديد ‏ لموقفه 
ذاك الشجاع » وكنت لا أميل إلى « بيروقراطيته ) المتمثلة ى كونه مديراً عاماً بوزارة 
' المعارف » وكان المدير العام فى ذلك الوقت شيئاً مهولةٌ ؛ أضك إلى ذلك أنه 
كذلك فى نظرنا نحن الصغار المساكين ! 


# # # 


عندها عين عمد قرية أبو عنديد مدير علما النقاقة بوزارة المعارف كنت موظفاً 
فى هذه الإدارة منقولاً حديئاً من التدريس » وذهبنا إلى مكتب المدير العام للتسلج 
والتبنئة » ورأيت بعض الزملاء الكبار بتصاغرون أمام سعادته . . وسمعته يقول 
لأديب معروف : أنث يا فلانة تكتب فى الصحن وتفهم . . “وينبقى أن يكون 
إقراكك كيت وكيت:. , 

قال ذلك بشىء من التعالى الذى يتفضل بإضفاء صفة أقصى ما يكون . . . 
إذن فالمقياس عنده أن يكتب المرء فى الصحف . . لم يقل له مثلاً : أنت أديب 
ولك قدرك » ذلك القدر الذى يعرفه الجميع . 

واستمر فى هذا المنصب مدة طويلة » حدث فى خلاها أن أنشئت إدارة 

لإصدار سجل ثقافى يرصد النشاط الفكرى ويعرف به » وكان محمد سعيد العريان 

ْ هو صاجب الفكرة » وقد عين مديراً للإدارة الجديدة » وعين عبد الحميد 0 
(ل يأخذ الدكتوراه بعد) وكيلاً.لها » وكامل محمود حبيب وأنور المعداوى وأنا 
أعضاء فتبين ومعنا موظف إدارى وساع » وكان من عمله أن يذهب بمقالاتنا - 
مقالات الأعضاء الفنيين - إلى محلة الرسالة ويأق لنا مها بالنسخ المجانية . 

واختيرت للإدارة شقة:بعارة فى ميدان التحرير . والواقع أن هذه الشقة تحولت 
إلى شبه منتدى ثقانى يؤمه اصدقاؤنا وزوارنا » هذا عبد القادر القط العائد من 
بعثته فى إنجلترا والذى لم يعرف بعد ؛ وهذا نزار قبانى الشاعر الناشئ الموظف 
بالسفارة السورية » وهذا الضابط الشاب يوسف السباعى الذى يكتب القصة 
القصيرة وتنشرها له محلة «مسامرات الجيب» » وهذا إبراهم الوائلى الشاعر العراق 
الطالب بدار العلوم ؛ وهذا شاكر خحصباك الكاتب القصصى العراق الطالب. بكلية 
الآداب فى جامعة القاهرة » وهذا غالب طعمة فرسان الكاتب العراق الطالب ى 
دان العلوم » وهذا الشاعر اللبنانى الرحالة. محمد على الحومانى ومعه ابنته الأديبة 


فى 


الجميلة #ساوى الحومانى » » وهذا الولد الصغير صبحى شفيق الذى بدأ يتردد على 
المجالس الأدبية مثل القط الأليف » وهذا الأديب الفلسطينى الشريد كامل 
السوافيرى إلخ . 

أكثر الحديث فى الأدب وما ننشر فى محلة الرسالة . كان أنور المعداوى قد بدأ 
يكتب فى محلة «العالم العربى » وبطريقة تحدئت عنها فى «ذكرياق الأدبية» انتقلت 
كتابته إلى (الرسالة) . 

وعدث أن نقل سعيد العريان: إلى التدريس ععاتاً . . إذ ذعب إل لئاق فى 
مؤمر ثقافى » ولا عاد إلى مصركتب عن هذا المؤتمر وضمن كتابته وصفاً «ماسأ» 
برئيس الجمهورية اللبئانية » واتهم فى مصر بالمساس برئيس دولة أجنبية وقدمه وزير 
المعازف (السنبورى باشا) إلى الحاكمة التّى انتبت بذلك النقل وتلك العقوبة . 
وكان يمكن أن يغض الطرف عن هذه «الجريمة » لولا أن الكتابة كانت فى جريدة 
وندية » .والؤزارة معادية للوفنه. . 

وعين أمين دويدار مديراً للإدارة » وهو كاتب مؤلف » معظم نشاطه فى 
التأليث للأطفال » وانسجم معنا فيا نحن فيه «منسجمون. 

ونمى إلى المدير العام (فريد أبوحديد) ما نحن عليه » وخاصة أن السجل 
لم يصدر برغم مضى المدة . . وقال : دعوهم . دعوا هؤلاء الادباء » فانا ذاهبه 
إلبهم بنفسى لأرى ماذا يصنعون . 

وجاء فريد أبو حديد » واستقبلناه . . . والذى حدث ان الحديث عن 
«السجل الثقافى » لم يستغرق الجلسة كلها » فقد وجه شط ركبير منها إلى الأدب ٠»‏ | 
وكان ينظر إلى شذراً لكتابتى عنه فى الرسالة بما لا يرضيه . . وقال لنا فيا قال : 
ليس النقد الأدبى هكذا . . ىا تكتبون ! قال ذلك وهو ينظر إلى ذلك النظر 
الشذر » وتابع قوله بقوله : النقد الأدبى أن تمسك بالعمل وتغوص إلى أعاقه 


رف 


وتفتته تفتيناً إلخ » ولم نقل له إننا نفعل ذلك » لم نقل لأننا موظفون وسعادته المدير 
العام ع اكتفينا ببز الرءوس إيماء إلى الموافقة وأننا استفدنا ود كمال كبن وكان ' 
سيف الاعادة إلى التدريس مصلتاً على رقابنا » ونحن فى شبه تفرغ للأدب . 
ول قترة الااحقة استعمل ذلك :السيف ى. انحر أنؤر المعداوى ! والحق أن هذا 
السيف كان يمكن أن يعمل به فريد أبوحديد معنا » فأنا المناوئ فى الرسالة » 
والمعداوى لم يسكت تماماً بل رفع صوته الجهورى فى وجهه ولطفنا أثره بمثل 
قولنا : إن الأستاذ أنور يقصد كذا ولا يقصد كذا . . . أما عندما نحر أنور فكان 
الناحر غير فريد أبو حديدٍ ! 

كان أثر تلك الجلسة طيباً على وجه عام » والذى « طيبه ) هو الحديث الأدبى » 
وأحسست أن الرجل مجحروح منى . . فغفرت له ذلك النظر الشذر ومسألة الكتابة فى 
أخبار اليوم التى أغضبته وجعلته بتبم مصطف أمين » تلك التهمة كانت عن بحث له ' 
قدمه إلى مجمع اللغة العربية بصفته عضواً فيه » بحث عن اللهسجات العامية ودعوة 
إلى تأصيلها والتقعيد لها . وقد حملت على هذا البحث بدافع موضوعى بحت » 
إذ رأيته لا يتفق مع أهدافه القومية العربية الى تقوم أساسا على وحدة اللغة العربية 
الفصيحة ؛ وامتدت حملتى إلى المجمع ذاته لأنه يجعل من أهدافه رعاية اللهجات 
العامية » وهذه الرعاية لا تتفق وذلك الحدف. 

ل نا 

نحولت ري إلى صف فريك أبوحديه وجعلت: أقدره لعدة أمور : 
شعورى نحوه بالذنب ٠‏ وإمعانى فى القراءة له » كتباً ومقالات فى يحلة الثقافة . 
رأيته يستغل تخصصه التاريخى فى إئتاج أدبى عظبم ؛ روايات ممتازة مثل «الملك 
الضليل؛ و« الوعاء المرمرى » كا استوحى الأدب الشعبى فى «عنترة » و( الام جحا» 
و«جحا فى جنبلاط ؛ وفى الحظة ضعف شعورى صرح لى بأن زوجة. جحا فيها تعبير 


5 


عا لاقاه فى حياته الشخصية من زوجة سابقة ! 
«الأمر الثالث من الأمور التى جذبتنى إليه » هو اهتّامه بخدمة الشباب فى محال 
الأدبى » إذكانت فى الإدارة العامة للثقافة إدارة خاصة بهذا الغرض ولعله هو 
الذى أنشأها » لا أتذكر ماما » فأنا أكتب هذه الفصول من الذاكرة البحت . 
كان مدير إدارة خدمة الشباب أديباً معروفاً فى ذلك الوقت وأحد رواد القصة 
القصيرة » وغير معروف فى هذا الوقت مع الأسئ . . وهو «عبد الله حبيب» وكان 
يعمل فى هذا اجال - محال خدمة الشباب بإخلاص وبتوجيه فريد أبو حديد . وق 
فترة لاحقة نحره سيف النقل إلى التدريس مع أنه لم يكن له به أية صلة . 
وقت. ما أريد سيد قطب بذ[ السيق ولكنه :مات بغيره.. 
نظمت إدارة خدمة الشباب مسابقات أدبية فى الشعر والقصة وا خطابة » 
واستكشف ف الشعر عبد العلي -القبانى الخياط «الترزى العربى» بالإسكندرية . 
جعلت السيارة الفارهة ال يركبها المدير العام فريد أبو حديد تجوس خلال التوارى 
والأزقة فى مديئة الاسكندرية » حتّى وصلت إلى ذكان اللخياط الشاعر ونزل 
الأديب منبا » واتجه إلى الخياط الشاب » وهنأه على نيل جائرة الشعر وكانت 
مفاجأة مذهلة ! 
وفى الوقت نفسه كان عبد الله حبيب بأخذ طريقه إلى المطرية » حسب العنوان 
المكتوب فى ورقة التسابق القصصى «أحمد بسرى» الشاب الأديب الطالب بكلية 
الطب » لكى يهنثه بنيل جائزة القصة القصيرة » ويسأله ما يتمنى فيجيب الشاب 
بأنه لايريد إلا أن يقرأ الكتب التى يريدها ولا بملك مها . 
وإذا كان القبانى قد استمر فى الانتاج الأدبى حتى اليوم » فإن يسرى فقدته 
القصة القصيرة بإعراضه وانشغاله بالطب » على عكس يوسف إدريس الذى جاء 
بعده بقايل » وأخذه الأدب من الطب , 


بعث فريد أبو حديد بذلك حركة أدبية ناشطة » وخاصة بين الشباب » وقد 
استدعى كبار الأدباء لفحص المواد المقدمة فى المسابقات ولاختيار المتقدمين 
للخطابة » وكان بين هؤلاء شاب ينتهى اسمه بلفظ « دياب » فقام الأديب الكبير 
والمخطيب المفوه توفيق دياب وأعان انسحابه من اللجنة لأن المتسابق قريبه . . وفاز 
الشاب ودياب 6 وأشهد أنه فاز مجدارة . 

ركنت أرقب ذلك المهرجان الأدبى » وأنقله وأعلق عليه فى محلة الرسالة 
وأعتقد أنى أرضيت أديبنا الكبير فريد أبو حديد بماكتبته عنه وما هو جدير به فى 
هذه المناسبة . ش 

ولكنى م أنقطع تماماً عن مناوشته . . وكان من هذه المناوشة هجوبى عليه 
أوعلى بمثه فى موضوع اللهجات العامية بأخبار اليوم » كنت امر يرل لق 
أسيق : أحددت ولق أساء فق ! 

وطبقاً لمبدأ « التفتيت» الذى أعلنه لنا فريد أبو حديد جعلت أفتش فى إنتاجه 
الأدبى عن ذلك «التفتيت». . . وفعلاً وجدته يفتت فى أعاق الشخصيات 
القصصية التى يتناوها فى قصصه التاريخية والمعاصرة » والأدب -كا أتصور- 
لكل ما يحرى فى الحياة » كا هو نقد للأدب ! 

ولكنى وقفت عند «لوحات» الطبيعة المتعددة فى كتاباته » رأينه كثيراً يخرج 
ببطل القصة من معمعات المواقف إلى المناظر الطبيعية الخلابة ويفرط فى وضعها 
بعيداً عن الموقف والبطل . . كأنه يقول للقارئ : قف لنستريح هنا فترة من الزمن 
نتمتع فيها بهذا المنظر. . وبعد ذلك نستأنف السير مع البطل ! وهذا المسلك 
الأدبى شائع فى كتابات أدبائنا على وجه عام وكان يسترعى انتباهى صنيع محمد 
عبد الخليم عبد الله فى هذا المجال ومن حيث إنه كان «يوظف الطبيعة» فى المواقف 
الانسانية امختلفة . جال الطبيعة ومشاهدها اخلابة على العين والرأس » ولكن لابد 


كا 


أن يكون لا فعل فى التعبير عن الإنسان . 

لاحظت ذلك مكثقاً فى رواية «أنا الشعب» وأبديته فى تقدى إياها » إلى 
جانب ما فيها من «تفتيت» لنوازع الناس وأفسح هو صدره لهذا النقد » إذكانت. 
صلتى به قد توقفت عند إصدار هذه الرواية » بل فى اثناء كتابتها » واذكر اثه قال. 
لى إبان ذلك + إننى. أكتب. رواية عن واحد من الشعب مكاقح مثلك . . فا 
ظهرت. وقرأتها كنت أبحث. عن نفسى فيها لعلى أجد با بعض ملاعى ! 

كان قد أحيل إلى المعاش وهو فى عنقواته + وذهب إلى ليبيا مستشاراً ثقافيًا 
بضع ستين » وأظن ذلك قبل أن يتدفق البترول هناك » ثم عاد إلل. مصر وعين 
ستشاراً بوزارة التربية والتعليم » وكلمة مستشار هنا تعد تسويفاً قانونيًا الخدمة يعد 
سن المعاش, » فالواقع, انه كان عثابة وكيل للوزارة . 

والعجيب ألى وأيته ف, هذه القترة متواضعا دمئاً موطأ الأكناف. » غل خلاف. 
ماكان أو ما توهمته أيام كان مديراً عاماً. ومن الإنصاف. أن تذكر وحكم الزمن » 
إذكانت الروح البيروقراطية :؛ متغلفة » وكان للوظائف. الكبيرة شأتها وهيبتها وأنا إلل. 
جانب ذلك لم يذهب من أعاق ماما ذلك. الولد الريق الآ من وزاه 
الخاموسة . . والذى يشعر بحاجز حقيق أو متوهم بينه وبين اليوات» واليشوات » بل, 
الأفندية . . برغم أنى صرت نهم . : 

كان ذلك الفاجز يحملى. على أمرين متضادين : الاصطدام بهم والجرأة 
المقتحمة عليهم والتوف: منهم وتبيبهم من بعيك . . والحلقة اللتوسطة شبه مفقودة بين 
الآمرين . : 
وشيئاً فشيئاً ذهب. ذلك من الأعاق . . وهأئذا صديق. للأديب الكبير وللرجل 
الكبير بوزارة التربية والتعلم » وتشاء الظطروف أن. أسافر إلى السودان. فى تلك القثرة 
مدرساً بمدرسة اللؤمر الثانوية بأم درما.. وصدمت هنالك بروتين جكومى عنيد » 


/ ش اا 


إذْ قال لى الموظف بإدارة البعثة المصرية هناك : لن 'نصرف للك مرتباً  ]‏ اذا 
ياسيد ؟ - لأن القرار الخاص بك يقول إنك معار لا متتدب . . وما معنى هذا 
يا سيد ؟ - معناه أن مرتبك يصرف من الجهة التى أنت معار لها . ولكن هذه الجهة 
تعينها الحكومة المصرية بالمدرسين وتدفع لهم مرتباتهم - ولكن القرار الوزارى لابد 
ان يقول إنك منتدب حى نصرف لك . . 

وفى عصر يوم من تلك الأيام ذهبت «دائاً» إلى النادى المصرى بالمخرطوم 
أمحث عمن بلاعبنى «الطاولة) هناك . . فلمحت فريد ابو حديد هناك يجلس ى 
. صدر مجلس يحيط به كبار موظفق الحكومة المصرية بالسودان . حاولت أن أتجنب 
هذا المحلس.». ولكن. الرجل لح ٠‏ فناداى . وهب واقفاً يستقبلق ويأحذق 
بالأحضان . , . وانضممت إلى اللياعة » وأصر هو على أن أصحبهم إلى حفل 
تكريم يقام له . وفى الطريق وأنا إلى جواره فى السيارة سألنى عن الأحوال » فبثثته 
همى وكان معنا فى السيارة «محمود محمود» رئيس البعثة المصرية » وهو رجل 
فاضل معروف بترجاته المفيدة لكتب أجنبية ذات شأن » هو أخو الأستاذ الكبير 
الدكتور زكى نجيب محمود . ش 

قال فريد أبوحديد لرئيس البعثة المصرية يعنى يا استاذ محمود هو عباس 
حيشتغل هنا بدون مرتب ! . رد الأستاذ محمود لا ؛ لابد من تدبير الأمر. كلام 
«فك محالس» لأن الروتين أعبى من أن يدير معه أمر | إنه - أى الروتين - يقول : 
لا هثة الموظك معان الاميندت ..... هاتوا لى قرانا بندية, 

ولا عاد فريد أبوحديد إلى القاهرة استصدر لى قراراً من الوزير يقضى بتغيير 
كلمة الإعارة إلى ندب . . . وكفاق شر الروتين ! ٠‏ 

فى أواخر عمر مجلة « الثقافة» رأى فريد أبو حديد العضو البارز فى لجنة التأليف 
والترجمة والنشر- التى تصدر المحلة - رأى أن يمدها بدم جديد » فوصل شرايينها 


,2/4 


جاعة من الشباب الأدباء على رأسهم فاروق. خورشيد ومعه عز الدين إسماعيل 
وصلاح عبد الصبور وأحمد كال زكى وعبد الرحمن فهمى وغيرهم » هؤلاء 
الذين كانوا يكونون « الجمعية الأدبية » التى نشأت واستمرت برعاية فريد أبو حديد 
عدة سنين وقد جذبتنى فانضممت إليبا. وعاشرت هؤلاء الزملاء زمئاً خصباً 
بالنشاط الأدلى والعلاقات الإنسانية . اتخذت الجمعية فريد أبوحديد أباً روحياً 
لها » وكان هو يعتبر نفسه عضواً فيبا » راعنى وأدهشئى أن أرسل إليها مائة جنيه » 
أشتراكه فيها مدى الحياة . . وكان هذا تعبيراً رقيقاً عن التبرع بهذا المبتغ الكبير جداً 
فى ذلك الوقت الذى كان فيه الجنيه ينطح الجنيه . 

تسلم أولئلك شويع بعك جد عون انو و 1 
وتنسيقاً جيدين ٠‏ توا قبا من أرواسهم وتيا فيا امياة لت كات تفقدها » ثم 
أخذوها منهم » وأسلموها إلى الموت . 

عرفت من خبرق وتأمل أن الحلة تنشأ وتسير قوية لأنها تعبر عن زمنها وتعكس 
اهئام عصرها ء فإذا تلفت عن ركب الزمن عى عليها الزمن .. وهذا ماحدث 
للرسالة والثقافة اللتين لم نحل محلها وم تسد مسدهها حبى الآن محلة أدبية 
أسبوعية . أسبوعية بالذات ! 

عندما عادتا حوالى سئة 1484 تصدران عن وزارة الثقافة » وأسندت رياسة 
تحرير الرسالة إلى الزيات » والثقافة إلى فريد أبوحديد - عند ذلك صدرتا شبه 
ماكانتا تصدران فى زمنها الأول » فكانت صحوتبهها صحوة الموت . 

كنت لم أر فريد أبوحديد منذ سنين » ثم رأيته لما أسندت إليه رياسة تحرير 
الثقافة » فهاذا رأيت ؟ أين البسمة القوية المتفائلة ؟ أين الفتوة المفتنة ؟ أين العزيمة 
الواعدة ؟ ذهبت كلها وا أسفاه ! 

قيل إنه يعانى المرض » وكان يتجشم الحضور إلى إدارة المجلة بصعوبة وحاولت 


لها 


أن أستدر شيئاً من مرحه وبشاشته » فلم أفلح . كان ينظر وساهمً» كأنه يتأمل الدنيا 
وعبئها » أوكأنه يرى يرد الحديث فى شئوتها عيثا فى عبث . 
ومع ذلك كتب مقالات جيدة كعادته » لم يضعف ذهنه كا ضعف جسمه » 
ولكنه اضطر إل ترك انجلة لبعض المحررين الموظفين وهو معتكف فى بيته بالمطرية 
وزرته هتالك » فحزنت لكالته الصحية الى لم تكن على ما يرام . وما حدثته فى أمر 
مرقبه وامكان علاجه قال إنه استتفد ما عند الأطباء فى مصر.' وأبت نفسه أن 
يقول أكثر من ذلك . . . وخطر لى شىء » ذهبت إلى الدكتور محمد عبد القادر : 
حاتم وزير الثقاقة إذ ذاك .وحدثته بمرض الأستاة الكبير فريد أبو حديد . فقال إنه 
عل استعداد لأن يتخ ما يإزم لعلاجه فى الخارج . وطلب منى أن أبلغه ذلك . 
وعدت إلى الأستاذ الكبير لأبلغه . نظر إلى نفس النظرة «الساهمة» ثم قال : ولكن 
لايد إلى من مراقق ء وزوجتى هى التى يمكن أن ترافقنى » فهل تتكفل الوزارة 
بتفقاتنا مع تفقات العلاج ؟ قلت : أعتقد ذلك ء وعلى أى حال سأذهب إلى 
الوزير :وأبندى 'له ذلك » .وأرجو أن تستعد للرحيل حتى آى بالراققة علي كل 
مأ ترغب ٠‏ , ْ 
لاأننى نظركه ٠‏ 'السناهمة :ا ال شق بمعان آخر. . كانت تقول فيا تقول : 
واأسقاً على أن يلغ ّىّ الثال أن تعالحتى الحكومة على نفقتها . 
وتذكرت وصية العقاد لذويه قبيل وفاته : ان ينقل جمانه إلى أسوان مسقط 
رأسه على تفقته ومن ماله والحدذر الحذر من أن يكون ذلك على حساب 
اللحكومة ! 
تلك أحلاق ومثل هى من خير ماتركوا لنا » مع ترائهم العظم . 
ذهيت إلى مقايلة الوزير. وقى هده الرة أجلست فى -حجرة كبيرة'مع المنتظرين 
. الكثيرين وأريد لى أن أنتظر مقابلة السيد / مدير اللكتب . . لكى 285 لى ف 


م 


مقابلة السيد النائب : نائب رئيس الوزراء » أو بالأحرى يحدد لى موعداً 
للمقابلة , . . وأنا أعلم أن مدير اللكتب الحاج فلان كان «صولاً» فى الجيش وأنا 
لا أحب «الانضباط » الذى يتمسك به العسكريون » هذا عيب فى أنا. . 
قلت فى نفسى : ولكنك لا تطلب شيئاً لنفسك » فتمهل وانضبط . 
ولكنى لم أطاوع نفسى وانصرفت . . لا أدرى ماذا أفعل. . 
ثم فجعت بالنبأ » كان الرجل يستعد للرحيل”. . لا إلى السفر للعلاج بالخارج 
بل إلى النهاية امحتومة . . 
كان كعادته دائاً حلالاً للعقد . , 


' 8١ 


نحمد عبد الحليم عبد الله 


فى بلدنا هذا » وقد يكونفى غيره كذلك » . أن الإنتاج الأدبى لايكق 
وحده لكى يبلغ ما ينبغى له من ذيوع بين الناس » ولكى ينال صاحبه ما هو أهل 
له من تقدير بين الأدباء وسائر الناس » بل لابد إلى جانب ذلك من شىء 
يفرقع . . شىء من أشياء.متعددة منها الاشتغال بالصحافة » بحيث يطلع الكاتب 
من خلالها على القراء بما يثير التباههم » بمحيث يقول لحم : ايها الناس » هانذا . . 

ولكن 'الاشتغال بالصحافة - إن أخذ حقه من الوجهة الصحفية - يشغل عن 
الأدب » إذ لا يدع لصاحبه وقناً كافياً للاطلاع أو الإنتاج الأدبى الذى هو محق 
أدب » وهو على أى حال «يلمع ؛ اسم الأديب ويكسبه ما يسمى ١‏ الشعبية» ويقع 
فى فهم كثير من الناس خلط الكتابة الصحفية بالكتابة الأدبية . 

ومن تلك الأشياء اللازمة لشيوع الإنتاج الأدى وذيوع اسم صاحبه توثيق 
4 ش 


0 


الاتصال بأبناء صاحبة الجلالة الصحافة ومن باثلونهم فى الكتابة النقدية الأدبية 
بالصحف » وقد يختنى من هذا الاتصال الشرف والكرامة . . باتباع وسائل لا تتفق 
معها » منها المداهنة والمنافقة » وقد يبلغ الأمر أسوأ ما يبلغ ببذل ما هو فى الحقيقة 
ورشوة» وإن كان يطلى بما يخدع عنها ويخفيها . 

ومن تلك الأشياء أيضاً أن يكون «الممدوح» فى وظيفة أومكان يملك فيه 
ما يسيل له لعاب المنافقين . 

والعملة المتداولة الرائحة فى كل حال ؛ السافرة المعادية فى غير حياء » هى 
' تبادل المنافع » والمنافع أنواع » منها تقارض الثناء . 

والسؤال بعد : ماذاكان موقف محمد عبد الحم عبد الله من كل ذلك ؟ لقد 
ذاع أدبه وانتشربين الناس » برغم أنه ل يكن شيئاً من ذلك » وبرغم إصراره على 
الوقوف دا عن بحر العفن » يشاهد ويتأمل ويحاذر أن يبتل . 5 

لم يشتغل بالصحافة » وم يتخل فى اتصالاته وعلاقاته عن فضائله الريفية » 
وهذه الفضائل انعكست ف أدبه وعطرته بشذاها النفاذ » فجذب إليه الأنوف 
التواقة إلى العطر » وأرغم أنوفاً أخرى على الالتفات إليه والاهيام به . 

وأشهد أنى كنت من الأنوف الأخيرة . . . كان أول ما رأيته موظفا بعجمع 
اللغة العربية الذى ظل به به طوال حياته الوظيفية حتى نو . وكنت أنا طارئا على 
المجمع آتياً من التدريس باللذارس » واختور المجمع مق لعملى الجديد وإن كان 
العمل تابعاً لادارة الثقافة بوزارة المعارطه. وأول ما أثار انتباهى إليه هو استئثاره 
باهام بعض الزملاء الأصدقاء لى من قبل . وداخلنى الشك فى أن يكون ذلك محرد 
يجاملة لزميل . 

يقال . .. تعال يا عباس نسمع قصة من عبد الحليم : 

قالها الصديق المتكام وهو يعطى سمعه كله لذلك الفتى القصير الضثيل الجسم 


اانه 


الذى يمسك بالورق ويشرع فى القراءة وسمعت ما أقنعنى بأنها ليست مجاملة . 

إذن فهو يكتب قصصاً » والزملاء بالجمع يستمعون إليه » فلم يكن بدأ ينشر 
بعد » لم يكن عرف على نطاق يجاوز الأخصاء » وصرت أنا من هؤلاء الأخصاء . 
ومرة أخذت منه واحدة : قصة قصيرة » وقدمتها للأستاذ الزيات لكى ينشرها فى 
«الرسالة» ولم تنشر ولم يسألنى علها وغض الطرف عن عدم نشرها » بل غض 
الطرف عن النشر فى الرسالة » وكان ذلك غاية المنى عند كل اديب فى ذلك 
الوقت . ولكن عبد الحلبم عزف عن هذا الورد لأنه شعر بأنه منع منه . . . وظل 
يكافح ويصور المكافحين فى قصص » الذين يعانون الفقر والحرمان » - ويلاقون 
الظلم والاضطهاد » فلا يحرفهم ذلك عن المخط المرسوم . ' 

حدثنى عبد الحليم فى مناسبة عن الفقر المدقع الذى نشأ فيه » وصرح بأن هذا 
الفقركون لديه «عقدة؛ هى أن يحرص على ما يكسبه من مال قليل أوكثير لكى 
ياف تل ماء الوبجة الكاى .بطر ين الفقراء إلى بقله.. . .. والقض لا يقد 
بمال . ولحظت أن حرصه لم يبلغ به درجة «العقدة» فلم يعد الأمر تجنب الإسراف 
وحسن التدبير » وقد كان ينفق ويرعى من يحيط به من ذوى الرحم وغيرهم . 
ولم أرفى القاهرة رابطة أقوى ما رأيت فى علاقات عبد الحليم عبد الله بذوى قرابته 
الذين كانو يلتفون حوله ويرتبطون به ارتباطاً امتدت آثاره الحسنة إلى . . . تصديق 
له . كنت قد كتبت شيئاً يعزز موقفه فى أزمة وظيفية عرضت له » فهالنى أن أرى - 
من حيث لا أحتسب - أن ذويه ينظرون إلى نظرة أعرفها . . . أعرفها تماماً فى 
قريتنا عندما يشد أزرك صديق أو قريب بوقوفه إلى جانبك مشهراً نبوته . . . وقد 
ينال هذا النبوت رأس بعض القوم الظالمين .: 


عرف عبد الحليم عبد الله بكتبه «أبو الجوائز» لأنه ظفر بعدد من جوائز وزارة 


45 


التربية والتعلبم » تم يجائزة الدولة التقديرية » ويشاء القدر الساخر أن تقسم هذه 
الجائزة بينه وبين الرجل الذى ابى نشر قصة قصيرة له فى محلته . . . هو الزيات 
صاحب ١‏ الرسالة » وأغلب الظن بل اليقين أن الزيات نفسه لم يعرف أن قسيمه فى 
جائزة الدولة التقديرية هو واحد من كثيرين لم ينش رهم . . . قد يكون رأى القصة 
غير صالحة للنشر » وقد يكون «دشتت » دون أن يلتفت إليها » حدثنى عل متولى 
صلاح أنه كان قريباً منه وملازماً له فى فترة ما بالمنصورة » وكان يركل إليه وإلى 
طاهر أبو فاشا الذى كان يزورهم هناك أحياناً - يوكل إليهم| اختيار مواد «العدد» بما 
وصل إليه بالبريد ؛ ويبعث بالمواد الختارة إلى محمد عبد الرحمن القائم على المحلة 
بالقاهرة ويرمى بباقى المواد إلى فرع دمياط المار بالمنصورة وهم يجلسون على شاطته 
نحت شجرة كافور حيث قهوة هناك اشبرت عجلس الزيات فيها واستقطبت كثيراً 
...من أدباء النصورة وغيرهم ؛ لم يكن نهر دجلة وحده فى عهد التتار الذى ألقيت به 
المؤلفات . . فانظركم أكلت الأنبار من بنات الأفكار ! 

حينا كنت أكتب باب «الأدب والفن فى أسبوع» بمجلة الرسالة إعلاناً عن 
فلم مأخوذة قصته من رواية «لقيطة» وهى أولى روايات عبد الحليم عبد الله . 
لم يسم الفيلم باسم الرواية » بل وضع له اسم آخر أغلب الظن أنه «ليلة غرام؛ 
وذهبت إلى دار العرض وشاهدت الفيلم » ثم كتبت عنه » دخلت إليه هذا 
المدخل : فى فترة ماضية خدعت بِأنْ السيها المصرية فن » وتابعت أفلامها بالكتابة 
عنها فى محلة الرسالة » برغم اعتراض البعض » ولكن ظهر لى بالتجربة أن 
الاغتراض فى تله , . .. فكففت عنبا . ولعي رأيك هذا الفيلم «ليلة غرام» ٠‏ 
فوجدته شيئا آخر غير تلك الأفلام . 

سر عبد الحليم مما كتبته عن قصته » وأعرب لى عن سروره وشكره وسررت 


وم 


بسروره . . . سررت بأن قلت كلمة الحق فى هذه القصة » وكان بعض التقاد أخل 
عليها «المصادفات غير الواقعية» فبينت أن ما فيها من مصادفات لا يختلف عن 
الواقع وقلت إق. لكياة لذ تذاو من المصادفات + بل ع أأحيانا تتتمل عل ألكز 
نما فى القصة . 
ود 
داخلنى شك إزاء ما ناله عبد الحليم عبد الله من كثرة الجوائز لا لأنه لا يستحقها 
بل لتتابعها ولا يلابس الجو الذى تعطى فيه الجوائر من أشياء خارجة عن قيمة 
العمل اين فى ذاه ؛ فكتبت فى «جولة الفكر» بأخبار اليوم أشكك فى 
. استحقاق تلك ال جوائز » وأسوق بعض الدلائل على ما يشوب هذا الاستحقاق . 
تأثر عبد الحلبم من ذلك غاية التأثر. . . وفى .هذه التجربة القاسية عرفت فيه ؛ 
فضيلة جديدة » هى التسامح ؛ أوقل الكفاح بالكلمة الطيبة والروح الطيبة . 
وكان هذا مه اا 0 
والموافق على سواء . 
كان يؤمن بأن الكلام له أويحه مختلفة إن كانت الحقيقة واحدة » أذكر ندوة 
أدبية دعت إليها جمعية الأدباء » وكان هو مدير هذه الندوة كان الخلاف والنقاش 
والمنازعة قد طالت واستفحل أمرها بين الناقدين محمد مندور ورشاد رشدى : كان 
عور اللقاش. بون القريقين ١‏ لقد كان لكل مني الصا فيا علتميا. ...عل 
يكون موضوع العمل الأدبى من الخارج أو من الداخل ؟ وراح مدير الندوة القصير 
الماكر عبد الحليم عبد الله يعمل مكره فيحاور كلا من الناقدين ويقربه إلى 
الآخر. . . ونققل اهن يكيم :سياف الخلاف » حتّى تبين أن الخلاف» مزعوم 
وأن موضوع الأدب موضوع فيه . . . وأن تصورى من الداخل أومن الخارج 
لايقدم ولا يؤخر... والصلح خير وأبق » وانتهت الباراة بغير صالح أحد 


كل 


الطرفين . . . صفر لصفر ! 

كان ذلك من المكر الحسن الذى كان يتصف به أديبئا القصير القامة الضئيل 
الجسم محمد عبد الحليم عبد الله » وأذكر أن كنا فى بيروت اؤتمر كتاب أسيا 
وأفربقيا » وكانت معنا الكاتبة الأديبة الصحفية أمينة السعيد » وكانت كلا التقت 
بعبد الحلم تقول له مداعبة : «باأذع, بضم الهمزة وهى كلمة ف العامية تقوها 
المصريات ى شم قصير العامة . وكان يستعذبها منها فيستزيدها . 

وى بيروت وقفت على جانب خى فى حياة عبد الحليم عبد الله » إذ رايت 
هناك مغجبات به . . . على الرغم من «أذع » أميئة السعيد ؛ معجبات قرأن رواياته 
وعرفن وجوده فى المؤتمر فهرعن إليه » وماكنا مجلس فى بهو الفندق حى نرى 
أولئك الحسان يقبلن على عبد الحليم عبد الله . ولا يخلو الحال من «غزل» بقع بين 
الكاتب وقارئته الحسناء » فقد كان غزلاً (بكسر الزاى) وكان يخلط الغزل بالمكر 
الحسن + قتدج من حذنا الخليط تتى«ظريف حقاً . , , ولا أنبى يوماً صاحينا قيد 
صديقة من هؤلاء إلى السوق تلبية لدعوة عبد الخلبم كى ترتاد بنا احال التجارية 
وتنتى بعض المشيريات البى تخص السيدات . 

وعرفت هناك أن سعاد حسنى صديقة لعبد الحليم عبد الله وكانت ببيروت فى 
ذلك الوقت لأعال سيزائية . وماكان أمتع مجلس يضم سعاد حستى وعبد الحليم 
عبد الله . . . ويحرى الحديث به ى عالم الآدب وغيره . 

55 

كان عبد الحليم عبد الله أدبياً » إن قلت من قة رأسه إلى أخمص قدمه كرا 
الولو - . .. ظلمته , فل تكن هذه الخثلة الفليلة. اللدية عافية , .كان سبيذ! 
بالأدب كل السعادة » يقال إن بعض العلماء يجرون تجارب على الفئران بحيث تشعر 
باللذة إن هزت جهازاً مركباً على المخ فى منطقة اللذة . وقد نجحت التجربة إلى. 


اام 


درجة أن الفأر يرفض الطعام الشهى ولا يستجيب لمغريات لجنس عن طريق آنه 
مفضلا ان يبز ذلك الجهاز بارجله ويموت من اللذة ! 

كذلك كان عبد الحليم عبد الله . . . يضغط «الأدب فى مخه» ويعيش على 
ما يحدثه فى نفسه من شعور جميل . . . كنت إذا لقيته فوجدته فرحاً مرحاً أعرف 
أنه يكتب رواية » وإذا رأيته مبتئساً شاكياً من مرض أو من لوم أحد الناس أعرف 
أنه لا يكتب . . . كان يقول لى إنه فى فترات «الجدب الأدبى» أى تلك الأوقات 
الى لا ي: ينتج فيبا يحس أنه كاليتيم البائنس الذى لا يحنو عليه أحد . . . وهذا تشبيه 
من تشبيباته البّى لا يتركها . سواء فى كتاباته أو فى أحاديثه والى يغرق القارئ فى 
بحورها . وكثيراً ما يوفق فى تجلية المعنى الذى يقصده عن طريق التشبيه » وى بعض 
الأحيان لا يوفق فيكون مملا » ويكون من السلامة أن تعدى عن هذا التشبيه 
أو ذاك فى كتابته » وتمضى فى القراءة كأنك لم تسمع ول تر قبا , 

ومن أخطاء النقاد عندنا أمهم «شبهوا» عبد الحليم عبد الله بالمنفلوطى والزيات 
فى أنه سلك مسلكاً فى الصياغة الأدبية » وقال قائلهم وهو يخنى فى نفسه خبث 
المرمى : إنها أسرة واحدة » جدها المنفلوطى الذى أنجب الزيات الذى أنجب 
عبد الحالم عبد الله » والخبىء فى هذا الكلام أن كتابات هؤلاء - وفى جملممٍ 
عبد الجلم ما يسمونه وأدب الكساء » ويعنون نه أنه لا يؤدى عشيموناً جين 
أو بعبارة بسيطة : بهتمون باللفظ على حساب المعى ! 

وما أبعد ذلك الكلام عن "الصواب . . . فعبد ال حليم عبد الله له خصائص 
أخرى بعيدة كل البعد عن ذينك الكاتبين » منها الإفراط فى التشبيه » واستخلاص 
الحكم والعبر مما يحلل ويعوض إليه من المعانى ومشاعر النفس الإنسانية . وأعتقد أن 
الطلاوة اللفظية متوافرة عند المنفلوطى والزيات . كل فى مذاق زمائه أكثر مما فى 
كتابة عبد ا حلم ؛ وهذه الكتابة أقرب إلى الدوام فى الأزمنة الختلفة » فعبد الحليم 


04 


عبد الله يقرأ له قارئ الأدب بعد زمنه ويقبل عليه أكثر مما بفعل بالنسبة إلى 
المنفلوطى والزيات . 

وقد لاحظت أن مداخل الروايات عند عبد الحليم عبد الله فاترة ومملة بعض 
الشىء ٠‏ ثم لايلبث السياق أذ فى وسيل القارئ . وسألته عن ذلك 
بصراحة .» فهو عيب من حيث إن الكاتب القصصى عليه أن يحذب القارئ منذ 
البدء » وأجاب بصراحة أيضاً » قال إنه عندما يبدأ كتابة رواية يكون خائفاً 
ا . . كأنه لا بصدق أن سيكتب شيئاً ذا قيمة » وشيئاً فشيئاً يذهب ذلك 
اليب ويعسك بالزمام ويتحكم فى الانجاه , 

وف أثناء كتابة الرواية - كما حدثى - يندمج فى جوها ويعيش وقائعها » حتنى 
ليبدو الجو احيط به خلال ذلك غريبا عليه . . . ومن هنا يستطيع القول بأن 
عبد ا شي يد لوو نفسه اقطعة قطمة عل رواات وقصضه القصيرة ١‏ لإناك تجد 
مئه ملمحا فى قصته ممزوجا بملامح اخرى » وملمحا آخر ممزوجا بآخر فى قصة 
أخرف . .اء اوفكدا . 

فى معظم رواياته وقصصه نجد أفراداً يعانون الفقر والحرمان كا كان يعانى » 
ويلاقون الظلم والاضطهاد كا كان يلاق . . والصفة الثابتة التى يضفيها علييم من 
نفسه أن ذلك لا تجرفهم إلى انحراف » بل يظلون على قيمتهم ولا يحيدون عنا مها 
لاقوا فى سبيلها . ومن أمثلة هؤلاء بطل رؤاية «للزمن بقية» والبطل هو «صلاح 
النجومى » الذى واجه فى كفاحه الشريف أقرب. رجلين إليه » وهما أبوه العمدة 
المتجبر وأخوه الذى حذا حذو الوالد ونخافه فى «العمدية» لاقى صلاح النجومى 
مالاق من الحرمان والشقاء فى سبيل أهدافه الثى تتركز فى أن الفلاح الصغير 
الهضوم الحقوق إنسان مثل سائر الناس جدير بأن يعيش كا ينبغى أن يعيش 
الإنسان , وامتد كفاح صلاح النجومى إلى الغاصمة ‏ إلى القاهرة وكافح فيها 


4 


أنماطاً مختلفة من السياسيين الذين بموهون على الناس بالشعارات الزائفة ويدعون 
أنهم أنصار الفلاح وهم فى الواقع أعداؤه الحقيقيون » لأمهم يستغلون اسمه 
ويسرقون مار جهده وعرقه . 

ومعظم شخصيات قصصه تنتقل من الريف إلى القاهرة ؛ مثل ما فعل هو 
فكافح مثل ماكافح » على اختلاف فى نوع الكفاح . 

والملامح التى يخلطها بملامحه بأتى بها من الواقع » مما يحيط به فى حياته » أذكر 
أنى جلست عقب صدور روايته الأخيرة «للزمن بقية» وعقب قراءق إياها ) 
فكنت أسأله : فلان هذا أليس هو فلاناً ؟ وأنا أشير بذلك إلى بطل فى القصة 
عرفته فى واقع الحياة كا عرفه » فيقول لى : إنه هو م يريف اماانت 0 
كلهم » وأقول : صحيح فلان هو فلان ويضيف هر أيضاً : وفلان هو فلان . 
الخ , 
0 ليست مسألة نقل الأشخاص محالهم من واقع الحياة إلى المجال 
القصني. * وإثا فى عملية خاق يتصرف فيا يفيه حت لوقرا أوللك الأقنامى 
الرواية وفييا وصف أنفسهم فإنهم لا يعرفون أنفسهم ! 

والذى يعرف عبد الحليم عبد الله » ويعرف ماوقع له فى مراحل حياته ؛ 
وما غامره من أفكار ومشاعر يستطيع أن يضع يده على مواضع كثيزة فى قصصه 
تعكس ما عاشه ورآه وفكر فيه وشعر به . وسألته مرة عا شغل مساحة كبيرة من 
قصصه فى تصوير الشك فى النساء وعدم الثقة بين » فقال لى : إن أصل هذا 
الشك بذرة صغيرة غرست فى نفسه وهو صغير » كان عندهم بالقرية خادمة كبيرة 
جميلة » وكان يخرج معها. أحياناً » فيراها تسير بدلال وإغراء » والرجال 
يغازلونها » فتنتشى بغزلهم » ثم راها فى مناظر تدل على استجابتها للغزل غير 
الببىء . . . ولم يذهب ذلك من نفسه ؛ بل غذته تجارب ومشاهدات فى القاهرة 


9 


أول شبابه . ولكن حدث له بعد ذلك تجربة حب كبيرة » فيها صدق وإخلاص 
ووفاء » فأزالت من نفسه الشك » وحل عد اللي الصافى العميق وقد وزع 
ملامح الثّى أحبها فى الواقع وصفائها على شخصيتين فى روايتين : الأولى السيدة فى 
زواية (شمس الخريف) الى تعد تموذجاً رائعاً للكفاح الشريف ٠‏ والشخصية 
الروائية الثانية التى أخذت القسم الثانى هى (الست جليلة ) فى رواية «من أجل 
ولدى» . 

2 

إذا لم يكن حبد الخلع عبد الل فى سخالة (لقة) بأديه وكتاته وما صصدر 44 من 
كتب » فاعلم - وإن كان فات " أوان العلم - أنه يضغط مفتاح الألم فى عنه » 
فيوحى إليه بالأمراض والآلام الحسية والنفسية » وكثيراً ما رأيته على الموائد الفاخرة 

ينحى الأصناف الفائخرة ويطلب جبناً إن لم يكن موجوداً على المائدة . وكان يكثر 

1 الجين مؤتدماً بالخبز » والعجيب أنه لم يكن يستريح على «اللبن الزبادى» 
مع خفته على المعدة.» وهذا عجيب عند الئاس » وليس عجيباً عندى فأنا مثله فى 
هذا » وإن كنت لا أكث رمن أكل الجن . لأنه يثقل على معدق » وله فى خلقه : 
شكون . 

ونعود إلى عبد فلم عبد الله . الذى لم يكن لى صديق مثله أوت حتى 
ل ينضب صديق فلان - أقول إنه كان مثله » والحى أبى » بارك الله لى فيه . 
أى فى صديق الحى . 

كان يشكو مر الشكوى من صديق يلى أمر السينا م 
المتفق عليها فيلماً 3 وكنت أقول له ؛: 

- ألسث فد أخذت ثمنها ؟ 

- هذا هو الذى ل 


1 


- أوليس فلان هذا صديقاً ؟ 

- وهذا أيضاً يعذبنى . . . إن الصداقة الخثالية من المنفعة صارت عائقاً | 

ما يؤلم النفس أن الصداقة عند بعض الناس تسير على سطح التبادل » وأنها 
تقئ حيث تسير المنفعة . وحكمة الصديق «أن الصداقة اخالية من المنفعة صارت 
عائقاً» معناها أن المرء المستولى على أمر يؤثر غير الصديق لأنه «يعامله» بصراحة 
معاملة تمنع منها الصداقة عند الصديق الخجول . . «والخنجل » هنا معناه وقف 
الخال . . . : 

والظن القريب من اليقين أن عبد الحليم عبد الله كانت تركبه كل هموم القاهرة 
وهو فى طريقه إلى الاستجام بقريته (كفر بولين) حيث كان فى عاصمة النحافظة 
«دمئهور: يحتد فى مناقشة سائق (التاكسبى) احتداداً أفضى إلى وفاتة. . 

فهل كانت الحموم تلاحقه لأنه كان لا يزال ضاغطاً على مفتاح الألم فى ممه 
الذى تفجر بفعل القشة الى قصمت ظهر البعير. . . ! 

إيد سد عل أعر سال 2 عبر قد انثبى , يوئر قدو لد أنا هيا سد رأف يان إل 
التقاعد قبل موته » لتبين له - كا تبين لى - أن كثراً مماكان ميتم به ويتألم له 
تفاهات لا تساوى شيئا من فمقّد الأعصاب . . 


4 


كامل الشناوى 


حيما تعارفنا كبيرين - كامل.الشناوى وأنا - فى جريدة الأهرام سئة 188١‏ لم ٠‏ 
يكن هو يعرف أن معرفتى به قديمة .. قبل أن يكون شاعراً لامعاً » وقبل أن أكون 
أنا ما كنت + بزمن كثير. . 

هو يعرف الآن - فى ذلك الآن - أنى أنا الذى يكتب فى محلة الرسالة باب 
«الأدب والفن. فى أسبوع » ويعرف أنى ذلك . . الشق «الذى نقد أبياتاً له ألقاها 

.فى حفل أقم لتكريم أم كلثوم » واشترك فيه بالكليات والقصائد كثير من الأدباء 
والشعراء » ولكنه لايعرف ما وراء دّلك » لايعرف ذلك:«المجاور » ابن الفلاحين 
الذى كان يرقبه فى مسجد المؤيد القائم على رأس شارع الغورية يجوار باب زويلة 
. بالقاهرة . حيث كنا نظلب العلم وقد بلغنا السنة الرابعة » نهاية القسم الأول من 
الأزهر . وكات ذلك المسجد هو المكان اتا لتلق دروسنا فى حلقات » كل حلقة 


ل 


منها تلتف حول شيخ مجلس على كرسى خشى كبير » وتسمى «فصلا » والحلقات أو 
الفصول متجاورة لايفصل بينها فاصل غير قليل من الفضاء » وهى بطبيعة هذا 
الوضع متسامعة » والغلبة فيها على السمع للصوت الجهورى » وكذلك كان صوت 
الشيخ كامل » الطالب الضخم الذى يتميز على باق الطلاب ذوى الخلابيب 
الفلاحى أو البلدى والقلنسوات المعممة وغير المعممة على الرءوس يتميز بجبته 
وقفطانه الأنيقين وعمته «المقلوظة » على طربوش يختلف - وخاصة زره الأخضر- 
عن طرابيش الأفندية . 

كان ذلك الزى المتميز بين الطللاب 5 - فى الغالب - على أن الطالب من 
أبناء المشايخ » رك هو ابن الشيخ الشناوى . 

لم أكن قد رأيته من قبل فى السنوات الدراسية لماضية بمسجد إبراهم أغا ولا 
يمسجد الردانى ولا بمسجد الفكهانى » حيث كنا فى سنوات الدراسة ننتقل 
بالنجاح فى الامتحان من واحد إلى آخر» حتى بلغنا فى السئة الرابعة مسجد 
المؤيد » حيث اراه الان » لأنه «بايت » يعيد السئة الرابعة .. وقالوا فى تعليل ذلك 
إنه طالب ١‏ لعبى » برغم ذكائه . وحيئا سمعت صوته الجهورى الغليظ يأتى إلينا من 
الفصل الجاو ركان يلق موضوع الإنشاء الذى كتبه وأعجب المدرس وطلب منه أن 
يقف ويلقيه .. والطلاب مبهورون به يستمعون . 

و أره فى ذلك الابان إلا قليلا » فقد كان بتغيب كثيراً » ثم ترك الدراسة” 
الأزهرية وانغمس فى حياة أخرى » فلر يكن يننا فى القسم الثانوى ولافى غيره . 

سمعنا باسمه يعوم على سطح الحياة الادبية .. قصيدة تنثئر هنا » وكلمة هناك » 
ايض أيه ل اليرات فى الإمالة يد إيد تين إل ان لي 3 
نمي المصرى ومقرون ببلد عربى بعيد .. لعله «حشروة ( ليع أو ما 


أقيه. 


1 


ركان قد عرف عن الزيات أنه يؤثر النشر للإخوة العرب غير المصربين ولوكان 
مستوى ما ينشر أقل .. حتى تنتشر الجلة فى بلادهم » وقد أعدها للتعبير عن جميع 
العرب بيث تكون مجلة العرب أجمعين + فكانث « رسالة ؛ من العرب للعرب ى 
كل مكان . نشرت القصيدة فى الرسالة »: وكانت بامقلباً » من «المقالب » اللى 
اشتهر به كامل الشناوى » وسبقت شهرته بهااكل شهرة . ومن هذه . «المقالب » ما 
صنعه مع السيد/ حسن القاباق » كان هذا الشاعر معروفاً بتوليد المعانى والغوص 
على الأفكار الغريبة وكانت «الأهرام ؛ ترحب بكل ما يبعث به إليها . وكان شعره 
قطعاً من أبيات قليلة يعنى فيها بيث فكرة طريفة فصنع كامل الشناوى أبياتاً تحكى 
مذهب القاياق فى الشعر » ويدل عنوانها عينه » وهو « دمع الصخور » وأرسلها إلى 
جريدة الأهرام فنشرت .. ونشرت ف اليوم التالى كلمة للقاياق يننى فيها نسبة تلك 
الأبيات إليه » وى آخر الكلمة «انظروا دمع من هذا ؟» 
2 
كنت أبحث عن حجرة أسكن بها » تكون قريبة من دار العلوم » إذ كنت 
طالباً بها وكانت فكرة أن أركب سيارة «أتوبيس » أو «ترام » مبعدة تامأ من 
برنامجى اليومى » لسبب واضح هو أن قرشين فى اليوم أمر باهظ لاقدرة عليه ٠»‏ , 
وأجرة السكن القريبة أو غير الموغلة فى البعد لاتكلف أكثر من خمسين قرشا فى 
الشهر. وقد كان أستاذنا لكر المهنيس ) يعيب على جيلنا أنه جيل «خرع ؛ 
ويذكر أنه كان بمثى يومياً ذهاباً وإياباً من العباسية حيث يقِبم إلى دار العلوم فى 
حى النيرة » دون أن يفكر فى ركوب_الترام . 
وبينا أنا كذلك أبحث عن مسكن قال لى زميل فى الدراسة .. أتعرف كامل 
الشناوى ؟ فى بيهم حجرة : مندرة فى مدخل البيت: الكبير معدة للإيجار. 
ذهبت أنا وذلك الزميل إلى بيت الشيخ الشناوى فى «جنينة ياميش » بحى. 


9١ه‎ 


السيدة زينب . الحجرة لاتزال مشغولة » ويقال إن ساكنها «سيعزل » وقيل لنا إن 
صاحب الأمر ه وكامل الشناوى » وهو الآن فى الام » وكان ذلك قبيل الظهر. 
وصعد بنا الخادم إلى حجرة الاستقبال فى الطابق الثافى » وبعد قليل أقبل كامل » 
شاب ضخم.. هو الشيخ كامل الذى رايته فى مسجد المؤيد يقرا موضوع 
الإنشاء » والذى نسمع الان انه صار اديبا وشاعرا . وهو الان يلبس «روب دى 
شامبر» فوق المثامة الحريرية . وقلنا له » وقاك لناء والمهم أنه كان ظريفاً لطيفاً 
معنا » ولا أذكر ماذا ل يتم تأجير الحجرة 2 ربا لأن الساكن لم «يعزل ) وقد يكون 
ذلك لأنهم احتاجوا 3 لسكق بوامة أو ستاك أن تمو ذلك . 

ترك كامل الشناوى الدراسة فى الأزهر » كا ترك من قبلها الدراسة الابتدائية 
الى قضى فيها سنتين » ولم يئل أية شهادة دراسية . وراح بقرأ على هواه مايطيب له 
ويحفظ ما يطربه من الشعر » ويلهو ما شاءت له حريته ونشاته فى ظل ابوين على 
شىء غير قليل من اليسار . ويبدو أن والده لم يكن يضيق عليه » ولم يكرهه على 
دراسة معيئة » وخاصة لما رآه بميل إلى الشعر والأدب » وكان الوالد على. شىء من 
ذلك إلى جانب دراسته فى الدين والقانون » إذ كان قاضياً فى المحاكم الشرعية . 

وعلى ذلك قضى كامل صدر شبابه يلهو ويمرح + ويدبر «المقالب » لايعنى منها 
اقرب الناس إليه . كان والده صديقا للدكتور محجوب ثابت » وكان التكتول وده 

فى النزل » فانقطع مدة » وفك ركامل فى أن يدبر «مقباً» فجمع بعض أصدقائه 
وزملائه فى جمعية المسرخ التى كانوا قد ألفوها فى «جنينة ياميش » وعملوا له 
«مكياجاً ؛ فلبس لحية مستعارة «وكبس » الطربوش على رأسه على طريقة الدكتور 
حجوب © وأمسك بعصاً . . وقصد إلى زيارة الشيخ الشناوى ومعه حاشية من 
الأصدقاء ومثلوا موكب محجوب ثابت .. . وصعد الموكب إلى غرفة الاستقبال ٠‏ 
وجاء الشيخ وسلم وجلس » ودار الحديث والسؤال عن الصحة والأحوال وفرقعت 


45 


والقافات » فى فم الدكتور المزيف » وكان محجوب ثابت يتكلم دائما بالقاف » حتى 
كانت تكتب عنه الحلات الهزلية « الدقتور ») م تبين الوالد صوت ولده بين القافات 
لتتابعة » وانكشف الأمرء بض الشيخ وأخذ العصا من ولده ليضربه بها ولكن 
هذا أسرع بالخرى .. 
وكان جرى كامل مضحكاً . . إذ كان ضيخماً ممتلئا الجسم وقد ولد كذلك » 
ولازمته البدانة والنهم فى الأكل طوال حياته » وكانت فى طفولته مصدر حجله 
منها وسخطه عليها » على الرغم'من فرح الأسرة بها » إذ اعتبروها من علامات 
الصحة » فكانوا يخفونه عن عيون الناس حتى لايناله شر الحسد .. فلا كبر وصار 
يلعب مع الأولاد كانوا يعيرونه ويسخرون مئه إذا جروا فى الشارع ويحاول هو أن 
يجارءهم .. فاتزوى عنهم وشيب النان. ١‏ 
وكان شعوره إزاء تلك السخرية ولجوؤه إلى العزلة من الدوافع إلى الرغبة فى 
٠‏ التفوق والقيز بشىء يجعل له اعتباراً يعوضه » فكان أن قوى فى نفسه حب الشعر 
والأدب وكانت العزلة فرصة للتأمل والتفكير والانمماك فى القراءة . 
ولكن أصدقاء الطفولة عندما كبروا وعقلوا قدروا ما فى زميل الصبا من مواهب 
وذكاء وروح مرح ونفس طيبة » أسبغوا عليه تقديرهم وإعزازهم ودفعوه إلى 
امجتمع وأزالوا من نفسه التبيب فالقلب إلى العكس . 
كان كامل الشناوى «مكعبراً» ضخماً لاحظ له من جال الجسم » ولكنه كان 
ودود النظرة لطيف الثمائل » ولعله بهذا ولسخائه المفرط كان موفقاً فى العلاقات 
النسائية ؛ وخاصة مع فتيات الملاهى » وكان يشعر إزاء واحدة منهن بحب على 
طريقة «أورمان” دوفال ) مع (مرجريت جوتيه - غادة الكاميليا » . 
ولكنه لم ينس الحب الأول الذى كان له أثر بالغ فى حياته . كانت الآنسة 
| «س» بنت أخحت أستاذ يعطيه .دروساً فى اللغة الفرنسية » فشغل بها عنها » 


4/ 


وصارت هى أستاذة له . . إذ وجهت حياته وفهمه للأشياء وقيمه الاجمّاعية توجياً 
مختلفاً عا كان عليه طالب أزهرى ابن أله عناء الأزعرع ندا فى يل لينية : 
وتكونت عاداته ومعابيره على مقتضاها » يرى نفسه فجأة بين أسرة على أحدث 
الأوضاع العصرية تسكن ضاحية المعادى استصحبه إليها خالها مدرس اللغة 
الفرنسية وكانت المعادى ذات مستوى اجتّاعى غير ما هى عليه الآن . 

قال لى : لقد مدنت وس » عاطفيى : وغيرت أسلرق فى الحياة » نزعت 
من نفسى أشياء كثيرة.؛ ووضعت مكانها أشياء أخرى . كنت أعرف أن الرجل إذا 
غيل باأرأة كيان اليا الشيطان .. ولك خلوت حا عرانا ». بل عنقت مها كرا 
فكنت أرى : إما لوحة رائعة نتأملها ونتذوق ما فيها من فن وجال » وإما قطعة 
موسيقية نسمعها ونعيش فى جوها الساحر» أو حديثا عذبا أسمع فيه تغزيدها» أو 
نظرة يطل على منها عالم جديد .. ولكتى لم أر الشيطان . . أول شعر قلته معبراً عن 
حقبقة مشاعرى هو ماقلت فيها » ومنه : 
المعادى أو نمحة من هواها تودع النفس فى شذاها الشجرنا 
المعادى فقد تركت فؤادى ف رباها شردا محنونا 

م يتزوجها لأنه لايريد أن يتزوج + فقد كان يعتفد أن وجوده فى الحياة مشكلة 
لم يصل إلى حل لها ولا يطمع أن يصل بصل » وقد ردد هذا المعنى فى أشعاره » وهو 
لذلك لايريد أن ينجب مشاكل أخرى . 

م يكن أمام كامل الشناوى - الأديب الشاعر - إلا العمل قي الصحافة وإلا 
عاش متسكعاً قد لايجد قوته » فقد كان والده مسرفاً لاييق على شىء من مرتبه 
الكبير » أيام كان للمرتب الحكومى الشأن الأكبر فى حياة الموظفين » لم يكن أمامه 
إلا العمل الصحن وإلا عاش مثل عبد الحميد الديب الشاعر الشحاذ » الأديب 


عد ابد 81 يعمل عيذ فر حر اللنب الكل وش . 


00 


فى أواخر الثلاثينات كلمت صديق الأديب الكاتب الكبير محمد ا ههياوى فى 
أن يتوسط لى عند صديقه أنطون الجميل رئيس تحرير الأهرام » لكى أعمل محررا 
بالاهرام فال لى » وهو اسل : 

- منذ أسبوع واحد كان فى الأهرام مكان خال ألحقت به كامل الشناوى » 
وليك “كلمت قبل ذللك .. 

وهأنذا سئة 1461 كما قلت لك فى أول الكلام أتصل بكامل الشناوى رئيس 
قسم الأخبار يجريدة الأهرام لأعمل محررا فى الحريدبة » وقد رحب فى وأحسن 
عي وأ ى ف اجيدة اليدة اعية » وكا قد حدثه فى هذا اشن قبل 
أن أذهب إليه الصديق عبد الله حبيب » وبهذه المناسبة أقول إنه لم يعرض 0 
للمجهول ) على عمل ؛ » كا يقول كثير من الناس إنهم معروض عليهم كذا .. 
كنت. داعا أسعى أ أريد وكثيراً ؛ مآ أخفق السعن . 

خحفضت الكتابة فى محلة السالة » فجعلتها كل أسبوعين بدلا من كل أسبوع 

حتى . أستطيع الجمع بينها وبين العمل ى الأهرام .. وكان فى مراجعة الأخبار 
وتنقيحها وصياغتها ووضع العناوين لها » ولم يكن فى الجريدة ! اذ ذاك محال لكتابة 
مقالات أدبية أو ما يشبهها » إذكانت أزمة الورق مستحكة وكانت تصدر فى أربع 
صفحات . 

وف الوقت نفسه عيبن الزيات رئيس تحرير نحلة لسر » وأخذت ادام 
فى الانحدار ثم كففت عن الكتابة فيها كما كف من قبل زميل أنور المعداوى . ثم 
لقيت مصرعها لأنها كانت تحرر من «صندوق البريد ) . 

# 8# »© 1 ١ 

رأيت فى مكتب كامل الشناوى بالأهرام ندوة عجيبة فيها من كل صنف .. 

أدباء وصحفيين ووزراء سابقين كأن هؤلاء أحيلوا من الوزارة إلى مكتب كامل 


14 


الشناوى » فكثوا هناك ريما تتاح لهم فرصة الوزارة مرة أخرئ . أذكر من هؤلاء 
جايى هود باشا شقيق محمد محمود باشا رئيس حزب الأحرار الدستوريين وقد 
توطدت صل الصداقة بين حفنى محمود وكامل الشناوى خاصة لأنهما يتفقان فى 
«مزاج ٠‏ واحد اشتهرا به » وهو صنع المقالب . 

كان يدور فى هذه الندوة نقاش كثير مختلف فى كل شىء من أدب وفن 
وسياسة . . إلخ وكانت الأخبار السياسية تأ برجليها فينشر منها ما يمكن نشره » 
ولهذا كان كامل الشناوى ركناً ا فى الجريدة فى ذلك الوقت » إذ كان أهم ما 
ينشر هو الأخبار وكانت البلاد «حبل » تحمل جنين الثورة . . وقد احترقت القاهرة 
وثالى من هذا الانحتراق يعض المتاعب إذ كان « التجول » منوعاً مساء » يحيث لا 
أستطيع العودة إلى المتزل ليلا » ولهذا أمر كامل الشناوى أن توصلنى سيارة من 
سيارات الأهرام التّى تحمل ترخيص الصحافة للمرور وكان يحدث أن يقف جنود 
الجيش فى سبيل السيارة ويوقفوها حتى يطلعوا على الترخيص وكانوا يصوبون إلينا 
البنادق ويرعبوتنا بالأصوات. الجهوزية الآمرة ؛ قف . . من أنت؟ 

كنت أعمل إلى الساعة الثاثية حشرة ولا أستطيع السهر أكثر من ذلك » وهذا 
الوقت هو الذى تكون الندوة فيه فى «اعزها ) وتمتد ساعات بعد ذلك » وحوالى 
الساعة الواحدة بعد نصف الليل تمد الموائد وعليها أطباق «١‏ الكباب والكفتة » يأى 
بها:« صبيان الحانى » على حساب كامل الشناوى إلى جانب الطابات الأخرى لجميع 
0 فى الندوة من شاى وقهوة و «كازوزة» إذ كان كامل كربما جدا إلى درجة 
الإسراف يضع يده فى جيبه ويعطى ما فى قبضته «بقشيشاً » لكل من يخدم من 
عمال «البوفيه » وصبيان المطعم . .. وكانت كلمة «كامل بيه » تجرى على الألسنة فى 
حب واحترام كبيرين . كان قد أخل. البكوية رسمياً من فاروق هو وبعض 
الصحفيين مئل علج اببنساوى وعلى ومصطق أمين . 


٠١٠6 


م تحرك ١‏ الفيلق » إلى أخبار اليوم حيث كان صاحباها يزمعان إصدار جريدة 
الأخبار اليومية » كان الفيلق بقيادة كامل الشناوى وكنت فى جماته وكان يضم 
أنيس منصور وكال الملاخ وحمدى فؤاد بوعل حمذى الوال وغيرهم من احررين 
بالأهرام وقد تعرفت فى ندوة كامل الشناوى بأنيس منصور الذى كان من نجوم 
الندوة البارزين فى الناقشات الأدبية على صغر سئه . ورأيت فى «صالة التحرير» 
بالأخبار الفتاة الرائعة وكانت بقسم الرجمة مع على حمدى المهال الذى علق بها 
وتزوجها . ّْ 

انتقلتا إلى الأخبار المزمع إصدارها فى أوائل ١461‏ قبيل ثورة "!ا يولية ومكثنا 
نحو شهرين تعمل فق الجريدة الى لاتظهر للجمهور ء إنما كانت ص وترزع فى 
الداخل للمناقشة الداخلية . وأذكر أنى اقتْحت على على أمين أن تتضمن الخريدة 
باباً للنقد الأدبى خقال لى «يعنى إبه نقد أدبي » 

والسؤال استنكارى .. غقد كان الاهيّام كله موجهاً إلى 51 ؛ قاسم 
الجريدة «الأخبار» والأصل ١‏ أخبار اليوم » وعندما بوضعوا الأبواب الأسبوعية بفى ' 
ركن من الصفحة الأخيرة بوضعوا قبل كل شىء كلمة ١‏ أخبار » مثل أخبار الأدب 
وأخبار الفن وأخبار الأطفال .. إلخ . . 

وكان على أمين عندما يلق أحداً من المحررين يد يده ء لا للصافحته » بل 
مزها ظالباً أخباراً . 

ولا قر حي الأدباء كات اللقصود ( الأسماء 0 فقط لا .ما يكتبون اق 
الهدف أن تحشد فى البرندة أسماء لامعة نجذب ا القراء . . .وهذا الاجتذاب 
كان هوكل المقصود .من كل عا يتشر وواصطنع الأسلوب 'للثير واللبالغات اللثيرة ع 
والترول إلى اهيّامات القراء لا السطحية «وماتزال آثار ذلك حبى الآن » . 

اتلميج كامل الشتلوى فى هذا اجو لصحف وإن كان خلس بحض الوقت 


ىا 


والجهد أحيانا لانشاء قصيدة » وكان مركزه الصحى يجعل المطربين والمطربات 
يتبافتون على غناء قصائده والمؤسف أن الشاعر يعرف عند جاهير الناس فى بلادنا بما 
بق له . فعندما كتبت الصحافة أخيراً عن مأساة الشاعر محمود أبو الوفاكان أبرز 
شىء يعرفونه به أنه صاحب أغنية ( عندما أن 6 6 الى يغنيها: عبد الوهاب , 

وكان كامل الشناوى يعلد را يا 0 من الصحافة وينفقه كله على 
نفسة » فلم يتزوج وم يكن له أولاد طبع ؛ كان كرجا سطياكا ذاكرت وكان أكولا 
دا برغم مرض السكر الذى لازمه حقى مات . . كان يأخذ «حقنة البنسلين » 
ويأكل ما يشاء فكنت أرى من يعطيه الحقنة إلى جوار من يحضر المائدة . . كان 
عندما يشعر بآلام المرض يتجه فوراً إلى «مستشفى الكاتب » ويقيم هناك ترعاه 
العريات .... بوياعك القن ونا كلك :+ 

وقد اعتكف فى أواخر حياته وتخفف من لجف الصحق ٠‏ ووجه اهتّامه أكثر 
إلى الأدب » والشعر » وأخرج كنبا أو ديواناً لا أذكر اسمه » وكان أصدقاؤه من 
الصحفيين والأدباء يزورونه فى منزله بحى وجارذن سيى » فتكون هناك شبه 
ندوات ؛ والواقع أنه كان يحسن العلاقات والصداقات وخاصة مع المشهورين من 
كل الفئات صحفية كانت أو سياسية أو ادبية . . إلخ . 

5 © > 

كامل الشناوى كاتب مرح يضمن النكت أكث ركتابثه كما يرسلها فى مجالسه » 
ولكنه شاعر حزين . . وأعتقد أن الشعر هو التعبير الصادق عن حقيقته وحقيقة 
نفسه » فهو فى أععاقه حزين عندما يتبياً للشعر يغفو شعوره الظاهر الضاحك فيتصل 


بشعوره الباطن الحزين » وهو فى ذلك مثل حافظ إبراهبم الذى كانت كل مجالسه 


ظرفاً ودعابة » وكان نصف شعره رثاء . 
ومن مظاهر الحزن فى شع ركامل الشناوى ما يردده كثيراً من مق العبااول عن ناه 


١ 


ومعنى وجوده وإلى أين تمضى به الأيام » هذا هو يحتفل بعيد ميلاده مرحاً مع 
الأهل والأصدقاء 75 يخلو إلى عقله الباطن الذى يوحى إليه أن يقول : 
عدت2 بايوم ‏ مولدى عدت ياأييا الشق 
الصبا ضاع . من يدى وغرزا الشيب 2 مفرق 
0 .بابوم مولدى كنت يوماً بلا غد 
ليت” * آلى. من الأزل لم أعش هذه اللحياة 
عشت فيا ولم اذل . جافلا أنيا حياة 
ليت أن من الأزل كدت طيفاً وم أزك 
أنا عمر بلا شيباب 00 وبحياة بلا ربيع 
أشترى الحب0 بالعذاب أنا. وهم أنا سراب 
إنه يضحك ملء جسمه الضخم.ويضئ على من معه مرحأ وظرفاً » يريد أن 
يغطى حقيقة نفسه الجزينة » ولكن الجلس ينفض والضحك يذهب فى. الهواء » 
.ويعود الحزن والشعر والعذاب .. 


: أنور المحدارى 


ناقشنى بعض الأصدقاء فيا كتبث عن واحد فى هذه السلسلة : «هؤلاء 
عيلايع : قال : إنك ١‏ تكتب عنه كذا ولى تتناوله من ناحية كذا . 

أجبت بما أحب أن يكون هوم ملحوظاً : 

لا أقصد ببذه الفصول دراسة كاملة لمؤلاء الذين سعدت بمعرفة أشخاصهم » 
وقد يكون بها بعض الملامح الدراسية من بعض النواحى . ولكن القصد إنما هو إلى 
تصوير احتكاكى بهم وانعكاسهم على نفسى . ولعلك تلحظ أن هذا المنحى قريب 
إلى ماكنا فيه قبل من ذكريات . وهو كذلك . 

ومن أقرب الناس إلى نفسى » ويمن لاتنسى عشرتهم » أنور المعداوى . وف 
وقت ماكان اسمانا يذكران مقرونين بالرسالة التى نشأنا فى أحضائبها » ورضعنا' 
ثديها . ولك أن تقول إننا أخوان فى الرضاعة , 


1 


أنور المعداوى ناقد لم يكل . + ليم امه . بدا مهاجماً عنيفاً » ثم وقف فى 
مكانه » ثم مات . . مات وهو لايزال شاباً ليبن اموت عرالدي قطع سلماة 
حياته الأدبية » بل قطعت هذه السلسلة من قبل » وكان انقطاعها من أسباب 
الأزمة الضحية التى انتبت بالموت . 
كانت أزمته الأدبية لأنه لم يستطع أو لم يمكن (بالبناء للخجهول ) من أن 
يستمر عنيفا مهاج| . لم يصبر على المعاناة . كان يريد أن يبدا ويستم ركاتبا كبيرا » 
ولكن الحباة تمسكت بناموسها الذى لايتخلض : لابد للإنسان أن يبدأ صغياً ٠‏ ثم 
يكبر بكفاحه شيئاً فشيئاً » ولا بد من عقبات فى الطريق » ولابد من جهود لتذليل 
العقبات ؛ وبذل هذه الجهود يمرك ويقوى الساعد . ولن ع بتلفت أحد من الركب 
الذى يحث السير إلى من تخلف عن الركب . 
بدأ أنور يكتب فى محلة «العالم المرن و معي إلى والأستادء مسرياً إلى هذه 
الماعة المنسوبة إلى رائدها « أميق الخوى ) الأستاذ الكبير الذى يصنع العقول بكلية 
الآداب -.قسم اللغة العربية - مجامعة القاهرة . كانت علامة ذلك الانتماء أن 
يكتب المنتمى تحت اسمه ومن الأمناء »ىا كانت تككتب الدكتورة بنت الشاطىء 
الزوجة الصغيرة للأستاذ الكبير » وكذلك كان يفعل أنور المعداوى أولا » ثم لما 
انتقل إلى مجلة «الرسالة ؛ قلعة المخصم الأول للأمناء - أحمد حسن الزيات ث 
انتبى أمر ذلك التوقيع » وإن بت الانتماء كامنا فى النفس . على أن أنور المعداوى 
كلك بن. الياته المع يق ملي ساد بولا عاج إل ما يتسلق علي »سر أرق 
ساقيه بتحميلها أكثر نما تحتملان . 
وهو واقف ذلك الوقرف دار حول نفسه يقول : هأنذا أهاجم الزيات فى 
«العالم العربى » ولعله كان إذ ذاك صادراً عن موقف الأمناء .. وازن بينه فى رثاء 
ولده رجاء وبين محمود تيمور فى رثاء ابنه بكتابه «أبو الهول يطير» ورجح كفة 


١١ه.‎ 


تبعور ووضق أدب الزيات بأنة مصنوع وأديت تيعور بأنه مطبوع . وكان ذلك فى 
الفترة الى بدأنا فيها الصداقة والزمالة فى وزارة المعارف (إدارة السجل الثقانى ) 
وبشىء من التدبير واصطناع الروج الرياضية رددت عليه فى الرسالة عوازئة 
معاكسة ؛ أى بترجيح كفة الزيات ورد السهم إلى راميه . . ورد على » ورددت 
عليه ؛ وما قلته إن صاحبنا «أميق ٠‏ مشحون . 
ولم يحد الزيات مائعاً أن يكسب هذا «الأمينى » فاستجاب لما عرضته عليه من 
ضم أنور المعداوى إلى الرسالة » وسرٌ بنا الزيات كجوادين يران عربة لمجلة وأعطانا 
مالم يعطه لغيرنا من الكاتبين بالحان .. ويعد .هدة قال لى أنور : 
- ألا ترى أن الثانية الجنيبات التى يعطيها الزيات لكل منا فى الشهر قليلة ؟ 
حبق » إيا أن الأثاور , , بركاتك ! 
ونقل « محمد عبد الرحمن »؛ السكرتير الإدارى للمجلة تلك الرغبة أو مطالبتنا 
بالزيادة إلى صاحب المجلة » فأمر أن يزاد المبلغ إلى عشرة . . ومن أسباب ارتياحى 
لانضمام أنور إلى الرسالة أن يكون قوة معى ضد رأس ,امال ! والواقع أننا بعثنا فى 
اجلة - ولافخر- روحاً جديدة بعد أن انصرف عنها كثير من الأقلام الكبيرة . 
وأخذ أنور المعداوى يصول فى الرسالة ويجول على هدى وعلى غير هدى ولم 
يكن يطيق أن يتعرض له أحد بكلمة » والويل لمن يفعل . . وعلى العكس من يثنى 
عليه . وكان يتلق كثيراً من رسائل الرائغبين فى ترديد أسمائهم والإشادة بإنتاجهم ». 
يثنون عليه فيها وتدفعون «عربون » الثناء المنتظر من قبله . 
والملاحظ على وجه عام أنه كان يدور حول نفسه » يريد أن يثبتبا بأية طريقة ‏ 
يتحدث أحياناً عن صداقته المبتدئة لتوفيق الحكيم ولعلى محمود لله : ويهاجم أحيانا 
توفيق. لمكم واصفاً أدبه بأنه أدب الجدران المغلقة » متهماً إياه - بغير حق - بأنه 
بعيد عن حياة الناس » وكانت هذه ديه امتداداً ا ردده بعضهم من أن توفيق 


000 


الحكم يكتب من البرج العاجى » وعى عبارة كان يقصد جاما وض يانه « الفن 
للفن ‏ ولم يكن كذلك صاحب ٠يوميات‏ نائب فى الأرياف ؛ وكل ما فى الأمر أنه 
كان يكتب فى الرسالة بعنوان «من البرج العاجى » فأخذوا من هذا العنواتٌ تلك 
: التهمة . كا أخذوا من كتابته عا يليق بالمرأة أن تفعله » وى مقدمته إجادة صنع 
«صينية البطاطس » إنه عدو للمراة ! وهو لايعنى بدفع ما يلصق به . 
أما على حمود طه فقد أخذ نصيب الأسد من كتابة المعداوى » رفعه فوق 
الشعراء جميعاً » وطبق على شعره ما أسماه «الأداء النفسى » وألف عنه كتاباً جمع 
فبه مقالاته عنه فى الرسالة مع زيادات أخرى » وشعر على محمود طه فى ذاته جدير 
بالاشادة » ولكن الوقفة عند والأداء الشبى 4 الذى نادى بد أثون المعداوى ملغياً 
جديداً فى النقد والشعر والأدب على وجه عام قلت له مرة : 
كيت يكون الأدت. من. غير أذاء تفي ؟ 
. وذلك بدءاً من حقيقة أساسية » هى أن الأدب فى الحقيقة ما هو إلا تعبير عا 
- ف تين الانناة» طهر أدكه عا قيا؟ بوملئيس كذلزد لاييلة أدا ‏ " 


فقال : 

- كثير ليسن فيه الأداء النشبى 

-مثل؟ 

< مثل الشعر العربى كله فى جميع عصوره ! 

وقد كتب ذلك عدة مرات » قلت له : 

- هل تفسح صدرك لأن أكتب سلسلة طويلة »آل فيها بكثير جداً من أشعار 
العرب كلها أداء تفنى ؟ . 

- و نخلنا أصدقاء أحسن !) 


١٠١ا/‎ 


والواقع أنى كنت أحرص على صداقته برغم اخختلاقنا فى كثير من الآراء والمزاج 
والائجاه . 98 : 

كانت كتابته كلها نقدية » ها عدا قصة قصيرة واحدة نشرها فى الرسالة » 
وكدأبه أثار حوها عاصفة من شد الانتباه » قال إنه - يلبى أو يطبق ما قال به توفيق 
اشكي عن أن الشبان يكتيون لاسي #الواديت لين فيا تعبير أدق » وإنه - 
أى. توفيق الحكبم - يود أن وى ضناً يعالج القصة عاكب أدبا وديا بالعبر 
الأدبى . ولكى يحذب أكبر قدر من اهام الشعراء بالقصة ختمها يخاتمة تقف فيها 
بطلة القصة حائرة . . . وطلب من القراء ‏ فى شكل استقتاء عام - أن يفتوها 
ماذا تفعل . . . تم نشزق يأيه الأسيوعى واتعقيبات كشيراً من الردود » ورخاصة ما 
يتضمن ملحا للقصلة , 

وكان بعض القراء ممن لايعجبيم «الخال المايل ٠‏ يكتب فى «بريد الرسالة » 
نقداً له » وبعض الأدباء بردون عليه فى نقد وجهه إلههم » » فكان يصلى هؤلاء ناراً 
حامية » ويشن على الأدباء الذين يناقشونه خزياً لا هوادة فيها . ومن هؤلاء 
عبد الرحمن. بدوى وزكى نجيب محمود. 

لا أذكر سبب المعركة ا خامية التى دارت رحاها بينه وبين الدكتور زكى نجيب 
محمود » ولكنى أذكر أن سلاح دكتورنا الفيلسوف كان علما حي 4 إذ أل بعص 
الضوء على شخصية المعداوى » تصرن شاي مغروراً متهوراً ؛ وأذكر أنه قال فيا قال 
إن من غرور هذا الشاب أن سمى كتابه « تماذج من الأدب والنقد ) كأنه توايك أن 
بل على الناس تماذج يصنعها هو لكى يحتذوها . . . وهو لايزال ناشتاً لم يقدم شيئا 
بعد . وكان هذا الكتاب قد أصدره جامعا فيه مقالاته فى الرسالة .. 

لم أكتب عن كتابه » فعاتينى فى ذلك » ٠‏ فقلت له إنى رأيت الكثيرين يجاملونه 
ويكتبون عنه فاكتفيت بذلك » وكم تعيت ع انه 


1١84 


أغضب مؤلفيها . 
والواقع أن موق ذاك لم يكن سليماً » وإن أردت به أن أتجنب إغضاب 
الصديق » فقد كنا اتفقنا على تصنيف الكتابة عن الكتب التى ترد إلينا صنفين » 
أحدهما نقد كامل » والآخر كلمة تحية . وأنا لم أفعل هذا ولا ذاك ! 
قد يكون ذلك لأنى لم أرد أن أشارك فى «مهزلة المحاملات » 
الأثر الباق فى نفسى فق أنور المعداوى هو ذكر الصديق الذى لاينسى » 
ونقترن ذكراه بذ كرى شاعرنا الفذ على محمود طه الذى عرفى به » وقضينا معه 
ومع أستاذنا الزيات أطيب الأوقات + تازة فى شقة الشاعر» وتارة فى مكتبه . 
الزيات + وأجاناً يدعونا الزيات إلى غداء أو عشاء فى «كازينو الجمل » بشارع 
الهرم . . شارع الهرم قبل أن يغشاه كل من هب ووفد 1 
كان أنور رضى النفس رقيق الطبع ؛ برغم علو صوته فى المجالس كا هو فها 
يكتب . , . وقد ظللت إلى آخر حياته أذهب إليه أولا فى ميدان الجيزة حيث كانت 
دقهوة الكال » التى اعتاد أن يجلس بها فى شبه ندوة أدبية » من شخصياتها زكريا 
الحجاوى ومحمود جسن إماعيل ونعان عاشور وعبد القادر القط وكال منصور 
الذى ترعرع فى عالم القلم م اخننى لا بظهر إلا فى بعض الأغنيات الى ألفها لبعض 
المطربين والمطربات » وكان صديقاً عزيزاً لى ولأنور المعداوئ . 
سافرت إلى السودان عائداً إلى التدريس » وانقطعت صلق بأثور سنوات 
وقعت له فيها أزمات صحية ونفسية من جراء نقله إلى التدريس ومن شىء آخر 
سباق اذكرة .. 
ال أن التدرينس الذى عدت أنا إلبه غير الدريس الذى نقل ' هو 
,كنت فى السودان أعمل فى مدرسة ثانوية متحزراً يمضنا من الأشياء 
0 «تقرف » المدرس . . . كان الطلاب فى الفصل الدراسى قليل عديدهم » 


1 


وعدد الحصص فى الحدول معقول ؛ ولم يكن ١‏ هناك مفتش من «إياهم » الذين 
أسمتهم وزارة التربية أنخيرا 0 موجهية ١‏ كنت حرا » إذا مرضت أبلغت أنى مريض 
فقط » أى بدون إحالة إلى طبيب » وهذا لم يكن المرض يطول . ٠.‏ للشعور 
بالمسثولية ومبادلة الثقة بالثقة . وكنت أضع المقرر فأختار المواد الدراسية التى أراها 
نافعة للأولاد » وأضغ أسعلة الامتحان » وأصحح أوراق الإجابة وعليها أسماء 
الطلاب الذين أعرفهم وأعرف مقدرة كل ملهم ومقدار اجتهاده ومستوى 
تفكيره . . . إلخ » وباختصا ركنت كأميتاذ فى جامعة أو مثال غير واقع فى حياتنا 
لأستاذ الجامعة ! وكنت أتقاضى مرتباً كبيراً يعوض ما فقدته بالفرار من الصحافة 
التى أرادت أن تنقل قلمى من الأدب إلى الإثارة . 

أما التدريس الذى نقل إليه صديق أنور المعداوى فهو على 0 ما 
ذكرته , وخر عد لا عيل إل هذا اال م يقد سد إليدكيعاء وامطلر اك 
قطعه قطعه وقطع عيشه وناله من جراء ذلك شر وبيل وارتفاع ضغط الدم المزمن . 

والشىء ع الآخر الذى جر عليه تلك الأزمة هو «شارع الأدب ) المسدود ف 
' وجهه » لقد ظن أنه استوى على عرش الأدب » فإذا الأمر فى الواقع لابزيد على 
وهم . . وقد وهم هذا الوهم الكاتب السورى على الطنطاوى . . كان يكتب فى 
الرسالة مرسلا مقالاته من دمشق » ثم رأى أن يسافر إلى القاهرة وهو يظن أن 
الشعب المصرى أصبح يعرفه لكتابته فى الجلة التى تقرأها سوريا على نطاق. واسع 
وتعرف كتابها » توهم الرجل أن الأمرفى مصر الى تصدر المجلة لابد أن يكون أكثر 
ما هو فى سوريا » ووقع فى مشكلة بمطار القاهرة » فقال للمسئولين هنك . أنا على 
الطنطاوى ! فلم يبد عليهم أنهم يقرءون الرسالة . 

إن الحرية التى اعتادها أنور فى الرسالة لم بعد لها يمال . : . أو قل : اللون 
. الذى اعتاد أن يكتبه فى الرسالة لايقبله غير الرسالة . . وهو رجل «ناشف » يأبى 


0 


0 


على المران . ليس أمامه إذن إلا الجلوس فى قهوة الكمال بميدان الجيزة فإذا تكاملت 
الندوة من بعض الأدباء المعروفين وبعض الشباب الشادين تصدرها وراح يلبى 
عليهم دروساً فى نقد امجتمع الأدق. وما'سودة من تفاعات ومن يتصدره من أدعياء 
وكثير ما يقول حق لاشك فيه » ولكن ما الحيلة ؟ لاشىء إلا مقدمات للتمزق 
والصراع بين واقع سيئْ ومثالى مأمول ؛ أو هو فى الحقيقة غير مأمول ! 

وكان فى قهوة الكمال شخصية عجيبة من بعيشون على هامش ال حياة . . رجل 
اسه عبادة ) جاء من الصعيد إلى القاهرة ؛ ول يعجبه الحال فيها » ولم يعد إلى 
قريته ومكث فى الجيزة يساعد فى بعض أعال القهوة مقابل «الطلبات » يقث 
بصدره العارى الذى حسرت عنه أسمال على جسده » مشرفاً على ميدان الجيزة » 
صارساً بصوت: تج : 

«إيه ياعالم ! إبه يا أثم 1 » وكان أنور يستضحك به ويستريح إلى كلاته 
الرافضة الناقدة للمجتمع 5 

والدنيا تتغير » وبعدو التغير على قهوة الكمال » فيعمل فيبا الهدم لكى نحل 
محلها العارة القائمة الآن وفى أسفلها محل تجارى كبير» وكأنه لم يكن هناك قهوة » 
ولم يكن هناك أدباء » ولم يكن «عبادة | » 

ولكن الشمل مجتمع فى قهوة أخرى بحى الدق » ويتكاثر الوافدون 
الأحلاس » ومنهم من يقحم نفسه بين الأدباء وليس من الأدباء . ثم ينتقل أنور 
إلى قهرة أخرى قربية من الأولى فى نفس الحى ؛ فيتتقل اجمع وراءه . . فى أثناء 
ذلك أو فى أوائل ذلك اتصل حبل المعداوى بمجلة الآداب الشهرية فى بيروت » 
إذ صا ركاتباً فيها ويعتمد إليها ف القاهرة . وكانت له صلة قدبمة بصاحها نشأت 
حينا كان هذا يجىء إلى القاهرة » وكان يجىء هذا إلى مصر فى الآونة الأخيرة > إذ 
ذاك - مقتربا باتصالات محصوها يدخل إلى جيبه للدعاية السياسية على الطريقة 


١١١ 


البيروتية » وكان هذا يفرض عل أجهزة الإعلام فى مصر للإشادة بأدبه ومناقشة 
كتبه فى « البرنامج الثانى » للإذاعة » ووعى أنور مرة إلى إحدى هذه المناقشات 
فرفض » وأعلن فى محاسه بالقهوة رأيه الصريح فى مؤلفات صاحب الآداب , 
وانقطعت الأسباب بين المعداوى وبين محلة الآداب . 
د 

ثم أعيد أنور المعداوى إلى الوظيفة الحكومية » وعين له العمل بمجلة «المجلة » 
حينا كان برأس تحريرها الأستاذ يحبى جق . وكتب أنور في المحلة بضع مقالات 
نقدية » ثم انقطع . . ربا اختلف مع يحبى حت الذى كان يدقق فى كل صغيرة 
وكبيرة قبل النشر . جربت أنا مع الأستاذ بحبى » كان يطلب بعض التعديلات » 
وكنك: مرناً سك .وبا أفلق 'أنور كان عذللف:. 

لزم مكانه فى قهوة الدق . وفى فترة مرضه سافر إلى بلده «معدية مهدى ؛ ولا 
شن عاد إلى القاهرة وطلبت إليه أن يكتب نحلة .لرسالة الصادرة عن وزارة الثقافة 
فى الفترة التى عهد إلى فيها أن ألى أمرها فقال لى إنه ممنوع من الكتابة بأمر الطبيب . 
وضصمق رده فق مرارة أنه وخلاض .. الن. يكت ؟ 0 

ووقعت بعد ذلك أحداث فى محيط المحلات الأدبية الى كانت تصدرها وزارة 
الثقافة فى أوائل الستينات » وجدتنى من جراء ذلك نخارج إطار العمل » ثم ألغيت 
احلات » وسدنت فى وجهى المسالك » إذ وقف دونى حراسها من أتباع «مراكز 
القوى » ولم اكن من «المنتفعين ). 
لمأت إلى قهرة الدق إلى جانئب صديق أنور المعداوى الذى قال لى ألم أقل 
لك ! » وكان قد قال لى : إنه لافائدة » كل شىء ممل » حتّى «كنت ؛ مل . 
وأشار إلى سيجارة فى يده من صئف (كنت0. ا 

لم يكن يربط أنور المعداوى إذ ذاك بالجياة الأدبية أو بالإنتاج الأدبى إلاكتابه 


1 


: على محموط طه - الشاعر والإنسان » الذى أعده لانشر منذ سنوات » ولم يتيسر 
نشره فى مصر. قال المسئولون عن النشر فى وزارة الثقافة : إن الكتاب لايتضمن 
تاربخ حياة على محمود طه » وجب أن يتضمن ذلك . أخذه منهم » وقال لى : 
هؤلاء لايفهمون الطريقة الحديثة فى تحليل الأعلام . ثم أخذه صديقنا محبى الدين 
المستشار الثقافى للعراق فى مصرء وأرسله إلى وزارة الثقافة العراقية فنشيرته » كا 
أخذ منى كتاب «الواقعية فى الأدب » ونشرته العراق . كان ذلك منفذاً للنشر لم 
يكن غيره حيما كنا منبوذين . . وجاءتنا «نسخ ) من العراق مطبوعة على ورق جيد 
بعد العهد به ىق مصر. . 
شعرنا بالضياع فى مصر » ويظهر أن «مصر نفسهاكانت تشعر بالضياع » فقد 
سلبت حتّى اسمها . . ووقف أنور المعداوى فى وجه الزوابع » فعصفت به» 
وطأطأت أنا لكى تمرء ثم أستأنف الوقوف. إنا نختلف فى الطبع والمسئولية 
الاججّاعية » أما الطبع 'فأمره ظاهر » ولى مرونة محدودة غير ممدوة يعقبها غيظ 
الحلبم » وقد تعقها حاقة . ... وأنا المستولية فهى نحو «أفراخ » لم يكتمل ريشها 
بعد » ولم يفرخ مثلها صاحى » فهو لم يتزوج ٠‏ وظل مفرداً صامداً حتى وقع . . . 
عرفت من دخائل أنور فى ذلك الوقت أنه كان على علاقة بشعراوى جمعة . . 
علاقة شخصية » قال لى إنه كان معه طالباً بالمدرسة الثانوية » وأظنها مدرسة 
المنصورة . كانت العلاقة من بعيد مقتصرة على المكاتبات . ولا أذكر أكان شعراوى 
. جمعة وزيراً إذ ذاك أم كان لايزال محافظاً للسويس » والأرجح أنه لم يكن وزيراً 
بعد » وإلا انشغل عن صديقه القديم كا ينشغل اى وزير! 
واحقق أن أنور المعداوى لم تكن له 'ميول سياسية بمعنى الانتماء إلى تجمع 
معين : وأولئك الناس إنما ينظرون إلى الناس باعتبار واحد من أمرين لاثالث لها : 
إما أن يكونوا معهم أو لايكونوا . . وأنور المعداوى عصى على الانتماء ؛ لتنتمى 


011 


أنت إليه وتعتنق مذهب «الأداء النفسى » أو أنت - ولا مؤاخذة لا تفهم . 
: 5-6 
4 لي عن إل حور عيندو هلا ويام - على ا انكر كا ف لين 
الدق » وقد روح الجلاس » ولم يبق إلا أنور وأنا » وكلا هممت بالانصراف 
ماين + وأنا لبق .+ فلم أره عاتيا راشا كيا كانفي فلك اليلة ؛ كان بطق كاه 
سكم زكالة ينظر إل بي أن حبيب .. وقال لى فيا قال : 
- إلى أبن 8 . 
- إل اقييو 
- أنت كل ليلة تعود إلى المتزل فى موعد معين لاتخلفه » بى الساعة العاشرة على 
ما أظن » ألم تمل من هذه الرتابة ؟ 1 
- ماذا تقصد؟ ‏ , 
-.أقصد أن تخلف عادتك هذه الليلة وتقعد معى . 
- أقعد معك ؟ وإلى متى ؟ 
حاح ب «تشطب )» القهوة . 
وجذبتنى جاذييته » فكثت معه تلك الليلة إلى وقت متأخر » ثم انصرفنا ؤهو 
يسعل سعالا فيه حشرجة . . أحسست ألى أودعه الوداع الأخير. . وفى اليوم التالى 
تلقيت نعيه وكأنه أمر معروف لا مفاجأة فيه . 
كان يرجو من الحياة خيراً مما لقيه » شعر بصدمة الطفل المدلل عندما يخرج من 
جو التدليل الأسرى إلى قسوة المجتمع .كان يظن أن ما بلغه من الشأن فى عالم القلم 
كفيل بأن تفتح له الأبواب » فإذا هى موصدة » موصدة أمامه ومفتوحة أمام من 
لايريد أن يكون مثله . 


محمد سعيد العريان 


هذا شاب أنيق حسن المندام » وى الوقت نفسه محتشم حول يبدو أنه 
محافظ » وكذلك أسلوبه : لغته النى يكتب بها طلية عربية فصيحة سليمة » وخطه 
جميل » واضح » يجمع عامل المطبعة مقالته فلا يكاد يخطئ فيها » ثم تجيئنى تجربة 
( بروفة ) نظيفة لا أتعب فيها ولا يحتاج الأمر إلى تغيير فيها »كما أصنع فى غيرها من 
كتابة » تقوم لغنهم وتصحح تعبيرهم » كى يظهر فن 3 الرسالة ؛ على المستوى العربى , 
السلم اللائق بالرسالة . 0 

ثم هو يحرص على أن يجىء ويراجع التجربة بنفسه » واعرث أنه مدرس خريج 
دار العلوم وأنا طالب بدار العلوم أكافح للحصول على لقمة العيش بعمل 

وتنشأ يننا علاقة مودة كعلاقة الأخ الأكبر بأخيه الأصغر الذى هو أنا » وفى 


١١ه‎ 


هذه العلاقة تواضع من الكبير واعتزاز من الصغير . ويحدثنى عن صديقه وأستاذه 
الكاتب الكبير مصطق صادق الرافعى » وأنا لا أكبر هذا الكاتب كا يكبره ويكبره 
كلم جد سن القيه , , , وأقول له مرة 'قولة ضرا ١‏ إن كتايئك أعسن :من كتايفه , 
أقوها صادقة لا ملق فيها » فيجفل هو من هذه القولة » وتبدو عليه سيماء الإنكار 
لهاء كأنه لا يصدق أنى صادق . . لأنه متواضع » أو قل إنه عابد فى راب 
استاذه . : 
ذلك هو محمد سعيد العريان. الذى يحرى قلمه :مبتدثا على صفحات 
( الرسالة ) عقالات يعفيها قصصى وننشر ق باب باحلة عنوانه « قصص ١‏ وهو 
إلى القالات القصصية أقرب مها إلى فن القصة » وذلك نوع من الأدب انتشرى 
أدبنا الحديث » وهو يتجلى أك ما يكون فى كتابة الأديب الفكه افيف الظل 
إبراهيم عبد القادر المازنى الذى يقول لزوجته فى الحوار «يا امرأة» » أين طبق 
البيض بالعجوة ؟ . . . وبكل أسلوبه وروحه الى بنفخ فيبا كتابته . . ولا شك أن 
الأدبب العريان له شخصية متميزة فيا يكنب ولكن ماذا يكتب ؟ 
كان سعيد العريان ينتزع برضوعاك من بيته وحياته ؛ و*ما محدودان فى أول 
الشوط » أكثر ما يعنيه أن يتزوج الفتاة الى أحبها فى بيئة طنطاوية - فهو من طنطا 
وقد عاش فيها صدر حياته - محافظة » التقاليد فيها مرعية » بل مقدسة » فالبنت 
بمجرد أن تخطب تحجب عن الخاطث » والخاطب أديب لابد أن يثور على هذه 
العادة . . وهذا موضوع لمقالة بالرسالة . والبنت الصغرى لا نتزوج قبل الكبرى » 
والخبيبة ا مخطوبة هى الصغرى ؛ فيكون هذا موضوع قصة تنشر فى باب «قصص! 
ولكن الموضوع ثائر فائرء يأخذ سمت المباشرة عدوة الفن القصصى . 
' إن أديبنا يحاول أن يكنيب فنا تسيا ٠‏ ويطيعه قلم مطبوع قد تغذى بالتراث 
العربى » وتثقف بالدراسة اللغوية ولكن الفن يستعصئ عليه فيا يحاول من كتابة 


1١15 


قصص قصيرة . ويشكو -ى| سمعته - من أن نحال حياته ضيق » ليس له تجارب 
ومسارب فى الحياة مثل قصصى كبير كمحمود تيمور . وهذه المجموعة القصصية 
التى أصدرها بعنوان ٠‏ من حولنا ؛ تنبئنا أن من حوله لم يدخلوا عالم الفن القصصى 
على النحو المعاصر » وقد يكون أقرب إلى عبرات المنفلوطى . والعنوان يحتمل أن 
تكون ١هن‏ » فيه بكسر الم ؛ والمحال ضيق محدود » ولكن الموهبة وامران 
يستطيعان أن بعينا على اللقطة الفنية من أىكان » أعنى من أى شىء حولنا مها يكن . 

أذكر أن يحبى حى - وكان اعتزل الإنتاج والنشر مذة انشغالة فى الوظائف 
الدبلوماسية بالخارج - كتب فى أول عودته إلى الحباة الأدبية كلمة فى جريدة 
الصرى » قال فيا إن العريان تنقصه ٠‏ روح القلق » التى لابد منها لكل قاص . 
بره عليه التريان ارا" أن يفت مق « تفيل أوسا شم » القصة التى عرف بها 

واعتقد ان القلق الذى كان يعنيه يحبى حى ليس هو ما يحدث للمرء وما يقلق 
باله من هموم شخصيته : وإنما هو شىء يتعلق بالقضايا العامة والروح العام . أو هو 
شعور الإنسان بضرورة نحقيق مثل معينة متغيرة إلى الحسن . وهذا إن كنت 
استطعت التعبير عنه أن يكون فى كل أدب حى صادق . 

وأعتقد كذلك أن ذلك القلق إن لم يكن قد تحقق لغير العريان فى محاولاته 
الأولى فقد تحقق فى رواياته التاريخية وخاصة فى رواية ( على باب زويلة ) وهى قة 
إنتاجه الأدبى التى لم يكتب مثلها فما تقدم ولا فها تأخر. وكانت قبلها محاولات 
تاريخية ايضا فى قضة « قسطنطين » و« وشجرة الدر» و«قطر الندى .٠‏ 

وأعتقد كذلك أنه وجد نفسه فى هذه الروايات وأنه أغرق نفسه فيها وق 


حوادثها وخيالاتها . وشغل بها عا ألم به من جراء حادث ألم عصف به وكاد بحطمه 
تحطيماً . 


١1١/ 


كان قد تزوج تلك الفتاة التى أحبها فى طنطا » ولق فى سبيل حبها ما لتى » من 

جراء محافظة أهلها على التقاليد » وتم عقد القران سئة “197 . وأعقب ذلك 
سنوات عسل أربع . . أنجب فيها الزوجان السعيدان اثتين» ثم أسلمته الثالث 
ساعة ولادته ورحلت . 

وم أعلم بشىء من ذلك حنى لقيه مصادفة . وقال لى فما بعد إنهم لم ينشروا 
النعى فى الصحف لأن لها أخاً فى امخارج خشوا أن يعلم نبأ الفاجعة » لقيته بشيرا 
وأنا فى طريق إلى مدرسة مكارم الأخلاق الى كنت أدرس بها عقب وكا 
ورأيت ربطة العنق السوداء والهندام غير المنسق . وقتامة على الوجه . وأردت أن 
أضاحكه قبل أن أعلم ٠‏ فلم يضحك ولم يبقسم كعادته . . وكان ملتريناً كدرسة 
البنات الابتدائية - عإٍ لى النظام القديم - بشبرا » وكنت أنا كذلك بمدرسة بئات 
ابتدائية » ولكن الفارق أن هذه «حرة » كالتّى تسمى الآن ( خاصة ) وتلك 
(أميرية) أى حكومية . 

قلت فق مشاتحكق له : 

- نحن - الاثنين - مدرسان «حريمى ). 

وردت ( بالبناء للمجهول ) إلى النكتة البائئة كيا ترد الموجة الرعناء عن الشاطئ 
الصخرى . . . 
على أثر ذلك ذهبت إلى السودان مذرساً هناك . ولففت محلة الثقافة الواردة إلى 
لوطي وكنت أعلم أنه يكتب فيها باب « الصحافة والأدب فى أسبوع ١‏ ولكنى 
قرأت بدلا من متابعة العيغيالة والأدب كلاماً يقول فيه إنه أصبح - إلى جانب 
فاجغته فى حبيبة العمر أباً 0 لأطفال ثلاثة » وطلما قضى الليالى عنانياً يجانب 
فراش الطفل الذى خلفته الراحلة قطعة من اللحم يدل صراخه على أنه كائن 
حى . . . يطوى كتابه ويسرع إليه يبدهده برفق » وف القلب وجيب » وفى العينين 


١16 


دموع » وأغرانى سكون الليل بالنجوى فرحت أبث الطفل من وجدى » وما به أن 
يسمع ولا أن يجيب » واستجابت لى عيناى ! يالك يا بنى من الدنيا ويالى . 

هكذا كان يكتب فى الثقافة . ويعبر عن لوعته وحرقة قلبه » فتسيل على 
صفحاتها دموع القراء » ورئيس التحرير أحمد أمين لا بملك إلا أن ينشر وهو يقول 
إن العرياث يعذب قرآء الملة ! 

ويتناول الأب الخائر صحفنا الصادرة » فيقرأ العناوين الآنية : 

( رعاية الطفيل «حاية الأمومة ) » «إنقاذ الطفولة المشردة » «المولود » 
والوالدة ٠ ٠‏ « بيك الطفل )» «مستشفيات الأطفال )» «الإصلاح 
الاجّاعى » » ١‏ الشئون الاجمّاعية ) . 

وكأن هذه العناوين قد اتفقت على أن تواجهه فى اللبل ليضبح فَْ الصباح 
يبحث عن تلك المنشآت :. أما واحدة فلا تقبل الرضع » أما الثانية فليس فيها 
مكان لطفل دون الرابعة » وللثالثة تؤوى من تشاء ولكن ليس فيها. مراضع » 
والرائعة فنيا مكاقب .وأماء للمخاضرات العامة ثريتا ضور الأعفناة . .. . وقالت 
الخامسة وهى أعظم المنشآت الحكومية : نحن على استعداد لقبول الطفل بامحان 
على أن بتنازل الأب عن حق أبوته » ب لا نؤوى إلا اللقطاء من مواليد صندوق 
القهامة , 

وكانت تلك أول كتابة أدبية من نوعها فى الأدب العربى 4 وليت أولاده الذين 
كبروا الآن وصار حم شأن مجمعونها فى كتاب بمثل لونا 3 فى رثاء الزوجة » وإلى 
جانب ديوان « أنات حائرة » لعزيز أبرظة ٠.‏ وهو أول ديوان فى العربية يصدر ىق 
رثاء زوجته » وكذلك ديوان « من وحى المرأة ) لعبد الرحمن صدق الذى كان 

يشارك من يلومون العريان على الاسترسال فى تلك الكتابة وتعذيب القراء بها . ثم 
تأى التجربة نفسها » إذ توفيت زوجته وصور فى هذا الديوان أعيايه عليها . 


18 


كان سعيد العريان من النوع الذى يبحث عن شخصية كبيرة يتعلق بها » وقد 
استنفدت علاقته بالرافعى أغراضاً بعد وفاة الرافعى وكتابة مقالات. عن حياته 
بعنوان « حياة الرافعى ١‏ نشرت بالرسالة ثم جمعت فى كتاب أعطانى نسخة منه من 
غير إهداء فكتوس فتأثرت فى نفسى : هل كان ذلك «جليطة » منه » إذ كان 
استصغاراً لشأنى ؟ كنت طالبا فى دار العلوم » وفى مرة من مرات شدق وأزماق 
المالية بعت تلك النسخة لطالب زميل مخمسة عشر قرشاً » وكان مها المسعر عشرين 
قرشا . قلت لنفسى : لقد قرأته فليس فى سحاجة إلا إلى ثمنه » وفى أعياق إرضاء 
لتفسي لعدم الإهداء المكتوب . . : 

بى - والحمد لله نزعة إلى التسامح » آخذ الصديق فى ع معنى أنى 
لا أقف طويلا عند هفوة أو ما أعده هفوة منه » لابد أن أقف طبعا وأتاثر نعم ؛ 
ولكنى سرعان أو « بطآن » ما أقول : ما علهش ! أى ما عليه شىء . 

وأتذرع إلى ذلك بتذكر فضائله وتغلييها على ما وقع منه . 

والواقع أن علاقيى بسعيد العريان تعرضت لد وجذر » وأكثر ما كان الجذر 
عندما أصبح هو ذا سلطان فى مكتب الوزير . كتبت مرة فى الرسالة أنى فقدت وجه 
صديق - ل أذكر اسمه - أصبح صاحب منصب كبير » إن خلصت إليه من الزنحام 
لم أجد وجهه . . . وجهه الذى اعتدت أن أراه بشوشاً تقول سماه : أهلا . إلى 'لا 
أرى إلا خدا مسعرا. 

رثيت ذلك الوجه البشوش » وعبرت عن ألمى من النوع الذى يبحث عن 
شخصبة كبيرة يلوذ بها » والعجيب أنه - وهو من تلاميذ الرافعى - جنح إلى قريعه 
وخصمه العنيد طه حسين فلاذ به وتقرب إليه . والحق أنه مع هذا لم يبخل عن 
الوفاء لأستاذه الأول وظل رأية فيه كيا كان » وكان يقول إنه لم يكتب رأيه فى 
الرافعى بعد » وإنما. اقتصر على سرد حياته فى ذلك الكتاب » وأنه سيكتبه يوما . 


١ 


كان سعيد. العريان يكنب فى صحت الوفك . وطه حسين من أقطابه وخاصة 
جريدة ١‏ النداء » الأسبوعية التى أصدرها فؤاد سراج الدين مشاببة لأخبار اليوم . 
مم ترك الآدب كله وركز نشاطه على الوظيفة يعلو بها فى مكاتب الوزراء » بمتد علو 
شأنه إلى فروع أخرى ٠»‏ حكومية وغير حكومية » منها دار المعارف التى أغرقها بطبع 
الكتب المدرسية وكان له فيها شأن المتقع « بتشديد الفاء المككسورة ») ولع 
قبل ذلك وف فترة من فترات « المد» فى علاقتنا اختارنى عضوا فنا بإدارة 
السجل الثقاى التى عين مديراً. لا ؛ وكان صاحب الفكرة فى إصدار هذا السجل 
للتعريف بالإنتاج الثقائق سنويا فى مصر» وم يستمر هوفى هذا العمل » إذ نقل 
منه إلى التدريس معاقباً على كتابة نشرت فى جريدة وفدية « النداء » كان الوفد ى 
المعارضة » واعتبرت ماسة برئيس جمهورية لبنان. ولا جاء الوفد إلى الحكم 
ودخل طه حسين فى الوزارة بعد ان انضم إلى حزب الوفد قفز سعيد العريان إلى 
وظيفة ذات شأن فى مكتب الوزير لى يكن سعيد العريان مشتغلا بالسياسة الحزبية » 
إما كانت صلته بطه حسين شخصية . 
وتطلعنا إلى « نفع » فى الوظيفة يجره علينا سعيد العريان ومن ورائه طه حسين » 
والواقع الذى يحب أن يتغير » وأرجو أن يكون الآن قد تغير» إن الإنسان عندنا 
لا يأخذ حقه إلا عن طريق الصلة بشخصية كبيرة ذات نفوذ » وقد يأخذ أكثر من, 
حقه » زبدون هذه الصلة يضيع حقه , 
ولكننا لم نتل شيئا ؛ وكان صديقنا عبد الله حبيب - وهو من أصدقاء سعيد - 
من أهم الراغبين فى أن ينال شيئا / درجة: استثنائية أو وظيفة مثل « مراقب » 
أو مراقب عام » ولست أدرى اذا لم يحثه على ذلك سعيد العريان » وأذكر أنى 
دعيت إلى اجمّاع فى نادى الصحفيين كان الغرض منه الصلح بين سعيد العريان 
وعبد الله حبيب . وأقبلت على القوم وهم يتناقشون فى موضوع يبدو أن الرأى 


. ١7 


اختلف فيه » وما جلست حتى وجه إلى السؤال : هل من حق .الصديق على 
صديقه أن يسدى إليه منفعة وهل - إذا فعل - يعد ذلك من قبيل الصداقة ذات 
الفرض؟ 
قلت : نعم ء له ذلك الحق مادامت الصداقة قائمة من قبل ؛ فإن كانت 
حادثة من أجل الغرض فهى مغرضة . 
اسراح عبد الله حبيب إلى هذه الإجابة » وصمت سعيد العريان مطمئنا ويدا 
أنه يقول بسكوته . . . إن الصداقة شىء والمنفعة شىء آخر مها تكن الصداقة , 
والواقع أنه هو انتفع بصلاته انتفاعاً كبيراً » وكأنه يرى فى أعاق نفسه أن ذلك 
يحب أن يكون مقصوراً عليه » فهو لا يتعب من أجل هؤلاء . 
واستشرى العداء بين سعيد العريان وعبد الله حبيب الذى نقل إلى التدريس 
بمدرسة إعدادية » فكانت الطامة الكبرى اليّى انتبت بوفاته . 
كان عبد الله 1 يقول عن سعيد العريان إنه « ابن طبال » محاولا الإزراء 
به ذلك أنه اطلع على ملفه بإدارة البتجدامين » فرأى فيه ما فى شهادة الميلاد' 
من أن صناعة الوالد « طبال ٠‏ وذلك أن والد سعيد العريان كان صوفياً يشترك فى 
ادي داكت الو ب ستياه د اديه 
طويل القامة ضركا من أمثالنا الذين يقال للواحد منهم « طويل وأهبل ؛ وكان 
العريان أميل إلى القصر والدهاء . 
رحم الله سعيداً وحبيباً وغفر لها . 
555 
اليملك سعيد العرياة ق كل مآ حلب له الال وقَاب عن سائحة الأديد». 
وكف عن الإنتاج » ثما ظن أنه أتى بعمل أدبى ذى قيمة كبيرة بعد رواية « على باب 
. زويلة ه وكان حرياً لو استمر فى كتابة الرواية التاريخية أن يأى فى هذا لمجال بإنتاج 


فقيل 


كثير خالد يعتبر خطوة مهمة فى تطوير القصص التاريخى بعد جورجى زيدان وفريد 
أبو حديد . 
بلغ فى الوظائف مرتبة وكيل وزارة أيام كان هذا المنصب قليلا وشارك فى 
التأليف للأطفال لما رأى هذا التألبيت مرياً . 
والواقع أنه - برغم إعراضه عن الإنتاج الأدبى الذى كان يرجى من مثله - 
قدم للحركة الأدبية والثقافية بوجه عام خدمات كثيرة ذات أثر كبير عن طريق 
الميئات واللجان الرسعية وخاصة لخنة النثر بالمحلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب" 
والعلوم الاجمّاعية » إذكان عضوا بها وكان لى شرف زمالته فيها . اقترح مقترحات 
ووضع مشروعات بعضها نفذ مثل «١‏ الكتاب الوصنئى » تلك السلسلة التّى كان 
يصدرها المجلس الاعلى للفنون والآداب » ونشرت فيهاكتب لمؤلفين مصربين قضوا 
فى بلاد أجنبية فترة من الزمن ثم عادوا منبا بحصيلة وانطباع ضمنوهما تلك الكتب . ' 
ومن مشروعاته التي لم تنفذ « الصراط العربى » الذى اقترح فيه على مجلس أن 
يوفد أدباء مصريين إلى بعض البلاد العريبة وخاصة صراط البحر الأبيض المتوسط 
الذى تقع عليه بلاد شمال أفريقية » لكى يدرسوها ويكتبوا غنها ويوطدوا الصلات 
بين أبناء العروبة . ووافق مجلس على المشروع » ولكنه لم ينفذ . 
كان سعيد العربان فى الفترة الطويلة الى انقطع فيها عن الإنتاج الأدلى متمثلا 
فى التأليف » يمثل نوعاً من كبار الأساتذة الرواد الذين كرسوا جهودهم للخدمة 
الأدبية والثقافية فى ميادين متعددة غير التأليف وإن كانت هم فيه سابقات . منهم 
لطق السيد ومهدى علام , . 


متو , ملكق 1 كن أعرى قاناار ] 


١1 


صديق أو هو غير صديق ! 

لقد أسدى إلى بعض الأيادى » لا أجحد هذا » ولكن هل كنت أنا مقراً 
مسلكه العام ؟ أو سوال آخر : لوكنت مكانه أكنت أفعل ما فعل إن استطعت ؟ 
هل كنت أدير ظهرى للإنتاج الأدبى وأوغل فى الاستفادة من الوظائف الكبرى وما 
تجره من مكاسب ؟ لاشك أن لكل طبيعته » ولكل قدرته » ورا أحجمت عن 
شىء لا حيلة لى فيه ولا قدرة عليه » وقد يخيل إلى أن « العنب » حامض ع وهو 
عاق : 
أحياناً يكون ذنب بعض الناجحين أننا عرفناهم وهم يتعثرون فى الطريق وكثير 
غيرهم يبلغون ما يبلغون ونحن لا ندرى ماذا سلكوا ونحن كذلك نقدرهم ونستعظم 
أمرهم ؛ ثم يمضى بهم التاربخ لا يلوى على شىء . . وربما أضاف إليهم ما لم 
يفعلوا ... 

ولو أننا نظرنا إلى تقدير الناس للأدب فى هذا البلد » وقلنا إن إصلاح 
الحنفيات أو الاحذية اجدى علينا للا كتبنا شيئا . . . 

كتبت فى نقد سعيد العريان ونقد أدبه كثيراً وبعض النقد أغضبه ولاشك » 
وإن لم يصرح لى » وأعتقد أن ماكتبته فى تقدير أخراله الأدبية الجديرة بالتقدير مسح 
غيره . 

والذى أنا على ثقة منه أنى حزنت ارضه الشديذ » وذهبت لعيادته فى مستشق 
المعلمين حيث كان يعالج » وازداد حزق لما عرفت أن الطبيب - بمنع من زيارته 
لشدة الحالة » ثم فجعت ينبأ وفاته عقب "ذلك . 

وكل مؤلفاته » عندى آنس بها » أهداها إلى كل فى حين صدوره مكتوبا عليه 
عبارة إهداء » ما عدا ذلك الكتاب «خياة الرافعى » الذى: أعطانيه ول هده 


١5 


إلى . ... قرأتها جميعا ٠‏ .وكتبت علها فى يننا . 

وقد ضللت بأى متها على « يوس الخطاب ٠»‏ وكل الإذاعة ا سألق أخيرا عنها 
بالتليفون » ولابد أنه كان يريد إعداد شىء منها للإذاعة » بعد النجاح الملحوظ فى 
عرض ١‏ على باب زويلة » . . . وليببحث يوسف الحطاب عا يريد عند غيرى أو فى 
المكتبات أن أراد . 7 

هذا وذكر الأستاذ محمد كامل حنه فى مقال له بمجلة الثقافة أن والد الأستاذ 
العريان كان من علماء الأزهر وكان من خطباء الثورة العرابية وشعرائها » فلا 
الجارت الثورة اضطر الشيخ أن بفر من القاهرة فيقطع الطريق إلى طنطا على | 
قدميه » وظل عختفيا حتى شمله العفو . 

ومن المحتمل أن يكون - فى أثناء تخفيه : قد لأ إلى الأذكار وضرب 
الدفوف . . وقد فعل أكثر من ذلك الرجل العظم عبد الله نديم فى أثناء تنكره 
وفربه من السلظة الاستعارية . 

وإفى لا أرى فى ذلك أى عيب يلحق بالأستاذ العريان » عن خلاف النظرة 
الضيقة الى بثلها صنيع صديقنا الراحل عبد الله حبيب . بل على العكس من 
ذلك أرى أن بنوة الإنسان لأب قليل الشأن يض عليه سمات العصامية التى تحسب 
له لا عليه , 


١ 


جد مصطق حام 


كنت أولا أعرفه من بعيد » أسمع عنه كثيراً » وألقاه قليلا » حتى جاءت ليلة 
ويالها من ليلة ! 

كنا نحتفل لتأبين الشاعر على محمود طه فى مسقط رأسه مديئة المنصورة . وبعد 
اناء التأبين زر كبنا مع الأستاذ الزيات فى سيارته إلى قصره القريب من المدينة ؛ 
وركب معنا تحمد مصطنى حام » دعاه الزيات ليكون معنا تخامسا لأربعتنا الزيات 
وكامل حبيب وأنور المعداوى وأنا . انضغطنا فى السيارة البّى يقودها قائدها غير 
ساحيا م يكن الزيات يقود » لأنه كان ضعيف البعبر ويظهر. أن الأديب 
يكون غالبا ضعيف البصر من كثرة القراءة . 

جعل ام يحدئنا حديثاً عجيباً من كل لون » ولكنه أفاض فى النديث عن 
جاعة من الظرفاء » يعد هو منهم وهم من أشباهه » وإن كان يمتاز بسعة الاطلاع 


١15 


وخصوبة الموهبة . 1 

تمبز أولنك الظرفاء بطابع خاص أو كان لكل منهم طابعه الخاص » ولكنهم 
مجتمعون فى صفة مشتركة هى غزو مجالس الكراء وكسب مودة هؤلاء وعطفهم بما 
بأتون من الملح وما يحسنون من الدعابة وأساليب المريج . منهم من مات كالشيخ 
عبد الحميد النحاس » ومنهم من لا يزال على قيد الحياة وقتئذ . ولاشك أن حياة 
هؤلاء جديرة بالكتابة عنها » فهم كثلون لوناً بشبه ما ذحرت به كتب الأدب من 
أمثال ١‏ الأغاني » و«العقد الفريد» وبعض كتب الماحظ » وللكتابة عن هؤلاء 
المعاصر بن”“قيمة خاصة من حيث ملابساتهم العصرية واتصالاتهم برجالات العصر 
الحديث وما يأتون بذلك من مفارقات وطرائف فى الأدب والسياسة والاجتّاع . 
وقد أحسن الأستاذ محمد فهمى 'عبد اللطيف بالكتابة غن طائفة منهم. فى كتاب 
أضدزة من سنوات » أذكر أن فى عنوانه كلمة «صعاليك ». 
7 .أشرنا على جا أن يكتب هذه الذكريات ويجمعها فى كتاب أو كتب » 
.قال : يخيل إلى أن اللديث عنم لا يحلو إلا شقوياً ٠‏ والواقم أن حام يتقمص 
الشخصية الى يتحدث عنها ويضيف إليها نفسه . . فإذا حكى أن فلاناً قال فالقائل 
هوحام . : وإن رأىما يقصه لم يحدث فى المجلس التأثير المطلوب ارتجل ما يصل به 
ا 0 إلى من يتحدث عنه » فهو وضاع فنان لا بشق له 
غبار. . ويبد ولى أن الأديب لابد أن يكون وضاعاً » وهل الكاتب القصصى إلا 
وضاعاً ؟ 

وكذلك كان الرواة والمؤلفون فى القديم على ما يخيل إلى » فأكثر ما نقرؤه من 
قصصهم وتوادرهم موضوع » »لم يقصد به الكذب دائما » وإنما قصد به الفن » 
ولك أن تعتبره خيالا على نحو الواقع » ؛ كا بكرا فى الفن القصعى الفديت + 

وشملت طرائف حام الى أغرقنا فى سيلها المتدفق نوعاً من الناس ثراه ظافراً 


1١ 71/ 


مقدماً عند الكبراء » ولا عزية لأحدهم ظاهرة ولا كفاية تسوغ ما يلقونه من نجاح 
وتقدير . هذا أحدهم - كا يحكى حام - فى مجلس رجل من رجالات الدولة ؛ 
يقول له هذا وهو يعلم أنه لا يحسن شيئا مما يطلب منه : 

- انشدنا قصيدة من شعرك , 

+ لبيك شاعرا , 

- قل لنا زجلا . 

- لا أقول الزجل . 

- اقرأ لنا ما تيسر من القرآن الكريم . 

- لست من أهل القراءة . 

فيقول الرجل الكبير : إذا كنت لا تنظم الشعر ولا الزجل ولا تقرأ القران مع ما 
أنت عليه من زى علماء الدين » فبأى حق تجلس معنا يا . . . وما بعد «يا» هو 
المزية التى من أجلها يجلس صاحبئا فى مثل ذلك امجلس . , إن الانفجار فى* 
صاحبنا هذا وسيلة للتخلص من ضغوط مختلفة يشعر بها ذلك الكبير- إنه وسيلة 
للتسلية مثل « سبحة كهرمان ؛ فى يد من لا يصلى ! 

ومن فنون حام فى تلك الليلة أن تربع ووضع كفيه على جاننى وجهه وقرأ 
بصوت الت لتجويد القرالى فى سورة «سعد» هكذا ! 

وسين » عين » دال . . واذكر فى الكتاب سعداً إنه كان زعا وطنياً ! » وكان . 
صوته رخيماً منغماً كأحسن قارئٌ . : وعلت القهتقهات عندما وصل إلى قوله فى 
تلك السورة : ه وقال سعد يا ملز ! » و0 ملز ؛ إنجليزى معروف كانت له ف مصر ‏ 
مهمة ضد الامال الوطنية . 

وتلك السورة من وضعه » كا أن - - نظماً - شكوى. المؤذنين إلى ه وذيد 
الأوقاف إبراهم دسوق أباظة باشا » إذ اجتمع موذنو المساجد وذهب وفد منهم 


١1 


لقابلة الوزير الأديب » وانبرى واحد منهم يقول بصوت الأذان ونغمته : 
با وزير الأوقاف نسألك الانصاف 
هكذا زعم حام » وكان هو يؤْذن ذلك الأذان أمام الرجل الذى كان يحب أن 
يسمع أطايب الشعر ويطعم الشعراء أطايب الطعام . 
وماكان اسعد حام فى تلك الليلة عندما مدت مائدة الطعام فى منتصف الليل 
للعشاء وى الضحى للإفطار » فقد حوت المائدة كثيراً من الطيبات البّى تحلب لها 
فم حام . كانق لذنه الكبرى فى الجلوس إلى هذه الموائد . هكذا 7 لى. 
والغريب أنه لم يكن أكرلا . . كان يغازل 'ولا يواقع ا 
وتما حكاه لى أنه وبعض الشعراء كانوا فى المنزل الأباظى المشهور بموائده الشهية 
فى اننظار الغداء . وهجاه محمود غنم بأبيات من الشعر » ولم تسعفه القريحة للرد 
عليه » ولكنه قال له متوعداً انتظر حتى تحضر المائدة وتجاس إليها » وسأريك كيف 
يكون الحجاء ! 
قال لى حام مفسراً ذلك : إن قريحته تستعصى عليه أحياناً » ولكنها تأ إليه 
طائعة فياضة على مائدة الطعام . . وخاصة إذا كانت مائدة حافلة كائدة إبراهيم 
دسوق أباظة باشا . 
كان مسافراً إلى الإسكندرية - كا يي - فالتق فى القطار بصديق من 
أغنياء دمبور يعرف طيبات الرزق عنده » فلا دنا القطار من محطة دمنهور عزم علبه 
الرجل أن ١‏ يتفضل » فا كان منه إلا أن نزل معه وألغى تذكرة السفر إلى 
الإسكندرية ؛ وتغدى على مائدته » ثم استأنف السفر بتذكرة أخرى ثمنها كان 
يغذيه وبعشيه فى أفخر مطاعم الإسكندرية » ولكنها الرغبة فى الطعام » بل الداء 
امتمكن منه : أن يأكل على مائدة من موائد الأغنياء مها يكن القن . . تجرد أن 
٠‏ بأكل » ولا يهم أن يتناول كثيراً أو قليلا ! 


شيل 


وكذا كان محمد مصطق حام صفحة مفتوحة ٠‏ صربحاً لا يخنى شيا على 
صديق ». وكل من يعرفه صديق » فهو لا يسبى من يعرفه ولو بعد حين » وهو 
جات ا لح اا 1 . . ولا يهمه إلا أن حقق 
ها واو خاضم انه نفسه . . وقد خاصم نفسه فعلا حينا كان غرراً فى جريدة 
« الأساس » التّى باجم الوفد » وق جريدة وفدية . كان فى هذه الحريدة الوفدية 
قد كتب مقالا وفدياً » وهو خارج م من إدارة الجريدة سئل : إلى أين ؟ قال : إلى 
«الأساس ٠‏ كى أرد على نفسى بمقال فيها ! وهذا » وذاك بدون توقيع . 

أشعر أن الحديث عن محمد مصطى حام الأديب الذى كان يحيا حياة فوضوية 
مسلماً نفسه إلى موجها المتلاطم » ترفعه موجة وتخفضه أخرى » دون أن يأمى فى 
حالة الخفض » أو يبق على شىء فى حالة. الرفع - أشعر أن الحديث عن هذا 
الإنسان العجيب لا يخضع لنسق أو نبج معين » فلابد أن يأ مثل ماكان هوكيفا 
اتفق . . والناموس فى الأدب كا عرفناه أن الشكل يتبع المضمون » والمضمون هنا 
مشتت منثور ؛ فلا مناص أن يكون الشكل أشتاتاً من الكلام لا يربطها رابط عدا 
أنبا تتحدث عن حام وما جرى له . ١‏ 

فى فترة ما اتصل حام بالزعيم مصطق النحاس » وهذا رئيس للوزارة » 
ولاحظ الناس « تطوراً » طرأ على لغة الزعي فى خطبه » فقد صارت مثل خطب 
مكرم عبيد فى السجع خاصة » كأنه أراد أن يحاكيه لما رأى حسن وقع خطبه - 
خطب مكرم - فى الأسماع . ويقال إن مكرم عبيد كان يكتب المخطب أولا م 
يحفظها » وليس معقولا أن يأق الارتجال على هذا المستوى من البلاغة 
والبيان ! . : 

وكذلك فعل النحاس » غير أن الذى كان يكتب له الخطب شخص آخر هو 
محمد مصطن حام . . وظهرت علامات النعمة على حام » وحام ١‏ لا تبل فى فه 


خضل 


ذولة » فتحدث بذلك فى أحد امجالس فبلغ حديثه مصطف النحاس » فغضب عليه 
وأقصاه » وعادت الطب إلى سيرتها الأولى بدون سجع . 

كانت لهام قدرة عجيبة على احاكاة ى كل شىء » وخاصة فى التأليث ٠إذ‏ 
كان ينشئ الكلام نا أو شعراً على غرار ما يريد » فأكثر ما يحكيه فى امحالس 
منسوباً إلى آخرين كان من مقوله لا من منقوله . وأذكر أن كنا مرة فى دار الإذاعة 
لتق أحاديث فى محلة هوائية بالبرنامج الثانى كان يشرف عليها ويقدمها أخونا 
فاروق خورشيد . وجلست إلى خوار سام ٠»‏ فقال لى إنه أعد حدياً عن أمر جهول 
فى حياة شوق أمير الشعراء » يتضمن شعراً لم يعرفه أحد . . وإن عنوان الحديث 
«حبيبات شوق » وأسمعنى أبياتاً زاعماً أن شوق تغزل بها فى أولئك الحبيبات » 
فدهشت أولا كيف أن أحداً من دارسى شوق لم يتوصل إلى ذلك . ولكبى - بعد 
قليل من التأمل والتفكير- قلت لهام : 

- اسمع » ليس هذا من قول شوق » إنه قول حام ! 

فقال لى بصراحته المعهودة : 

- اسكت حتى أذيع الحديث وأقبض الأجر. : وبعد ذلك قل ما شئت إن 
شيت ] 

كان إنتاج حام فى الأدب مبعثراً » فى الصحف والمجلات » إلى جانب ما 
يفيض به فى الجالس وعلى الموائد » لم يؤلف كتاباً مطبوعاً » ولم بنشر ديواناً سوى 
ديوان أخير لا أذكر عنوانه » دفع إلى نسخة منه وهو فرح به ؛ ولحظت أنه مطبوع 
. على ورق فاخر ومحلى برسوم باهرة ؛ ولا فحصته أدركت السبب . . إنه مدائح فى 
الرجل السعودى « الشربتل» المشهور بالغنى والجود » وقد احتضنه هذا الرجل 
الطيب الواسع الثراء بعد أن انقضى عصر الباشوات فى مصر. أغدق عليه فى مصر 
اداه فى السعودية . حكى لى ححام أنه لما كان يؤدى فريضة الحج » وذهب إلى 


ول 


المدينة كى يزور قبرالرسول عليه السلام » أعد قصيدة فى مدح الرسول وأراد أن 
يلقيها هناك » فاعترضه الشرطى ومنعه من الدخول » فهجم على القبر الشريف 
واستشعر قوة خارقة - ىا قال لى - فدفعٍ الشرطى ببذه القوة ونحاه ودخل دأ 
القصيدة بصوت جهورى وهولا يشعر إلا أنه فى الحضرة الشريفة » نم خرج سليماً 
معاق ى كسسة أحد . 

كان صادقاً ولاشك فى مدخ الشربتل » لأنه عبر عن ن إحسانه إليه ورعايته إياه 
بصدق وإخلاص وم يسقط السقطة. التى سقطها خالد الجرنوسى ومحمد فهمى 
الشاعران اللذان مضيا ولا يذكرهها الآن إلا القايل » كانا شاعرين بجيدين 
وجديرين بالذكر والخلود » ولكن فعلتهيا هزت شخصيتيهم| ذلك أنه نشرت 
قصيدة لأحدهما بجريدة « المصرى » وأخرى للآخر فى جريدة « الأخبار » كانت 
القصيدتان فى مدح رجل سعودى غنى قد يكون الشربتى أو غيره » ونشرتا بعناية 
فائقة » من حيث اروف الكبيرة والتشكيل كما كان فى الكتب المدرسية . . وعروف 
أنها نشرتا بالأجر الكبي ركإعلان . . وأنه دخل جيب كل من الشاعرين مبلغ كبير 
آخر. . أين هما الآن؟ وأين ما أخذاه؟ لم يبق - كا قال حاتم الطانى - إلا 
الأحاديث والذكر. 

أعتقد أن فوضى حياة حام كانت تشمل الناحية الأسرية فقد كان يتزوج أكثر 
من واحدة » وربما جمع بين أربع » ولم يكن من الصعب عليه أن يقوم بأمرهن 
ويوسع على أولاده محال الإنفاق لو نظم أموره » ولكن أموره لم تكن تننظم فهو 
دانما بين غنى وفقر » وإن افق لآ يق + إلا افتقر لا يعلى إلا اله ماضا يفكل - ٠‏ 
وكانت خاتمة حياته فى المملكة العربية السعودية » جيث أقام هناك مكرما ورا * 
لقيته مرة فى السودان ٠»‏ فسألته » فقال إنه هنا - أى هناك - لعدة أيام يفعاقد فيا 
مع الحكومة السعودية على عمل » إذ قدم من السعودية إلى السودان كى يكون 


ا 


خارج حدود المملكة لأن قانونها يقضى بعدم جواز التعاقد مع أجنبى داخل البلاد . 
وكانت هذه آخر مرة اراه فيها » وسمعت بعد ذلك نبا وفاته فى القطر الشقيق . ثم 
رأيت بعد ابئة له : فتاة مثقفة لطيفة فى المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب » 
كانت عندما رأيتها فى رفقتنا بلبنان حيث كان يجتمع مؤ ركتاب آسيا وأفريقيا فى 
أواخر الستينات » تلك الأيام التى كنا نرى فيها الصديق.العزيز يوسف السباعى 
ونشهد أفضاله على الجميع . 

واتت حام النزعة الدينية ى أواخر حياته » وعبر عن مشاعره الدينية بشعر 
صادق جميل » وأروعه قصيدة نظمها فى المدينة المنورة وهى الى هجم بها على 
الحرم النبوى حيث تخطى حاجز الشرطة وألقاه » ومنها قوله : 
آنست نور الله جل جلالة ١‏ ومشيت حيث مثى الى وآله 
وبلغت أحسن ما تمنى مسلم- وأعز ما يسمو إليه خياله 

وقد قرأت مقال الدكتور فتحى محمد أبو عيسى الذى نشر. بمجلة « الثقافة»- 
أغسطس 141/7 بعنوان « محمد مصطق حام شاعراً » ولحظت أنه يرتم فيه بإبراز 
الناحية الدينية فى شعر ام » وقال « ولهذا - أى لشبهة بعده عن ساحة الدين - 
نكرلا على الشعر لدي قي هذا القال ٠‏ ليكون«متعطاناً ف إلى نفدي عن شم رجام 
.من ناحية ولندفع به هذا الوهم الذى يطارد كثيرا من المتفكهين الظرفاء فى الشعر 
العرق . ٠‏ إلخ0. 5 
! عل أ امون نس عمد أ عيمس شاب ج وام أو يعافر يناة 
فى شبابه » ولو فعل لعرف أن حام كان فعلا من المتفكهين الظرفاء وكان نواسى 
لمنزع » ثم عدل عا يسميه الكاتب « وهما » بعد أن بلغ فيه ما بلغ » ثم تاب | 
فعل صاحبه أبو نواس القائل : ١‏ 
وبلغت ما بلغ امرقؤ بشبابه فإذا ' عصارة كل ذاك. أثام. 


يننا 


وإذا كان أب نواس ل أثزت عن أبيات قليلة فى هذه التوية ؟ فإن صباعينا 
حرام أفاض بتلك القصائد التى تبلغ مستوى شعر الفحول » لا من ناحية المفسمون 
فقط + بل كلك من ناحية التتعر كفن » وه مع هذا 9 تصلخ منطلقا إلى 
الحديث عن شعر حام على وجه عام . 
موعت ٠‏ الست علية ه وهى الوحيدة البّى نكرت لى فى الرسالة » وما كتبته غيرها 
من قصص نشرت فى المجموعات كان بعد ذلك وبعد احتجاب الرسالة ونشر ى 

ومعق ذلك الاستلهام أفى تأثرت حكاية وقعت لام وحكاها لى وهو ق غاية 
اللأثر. . قال : أتعلم أن لى ابئة عم راقصة ؟ دكان ذلك من نحو ثلاثين سنة » كان 
فى أواخر الأربعينات » وأغلب الظن أنه كان فى سنة 01449 » أذكر ذلك لأفى 
كنت طلبت منه أن نجلس جلسة طويلة فى إحدى القهوات لكى يحدثنى بما يعلم 
عن عبد الحميد الديب الذى كتبت عنه فى الرسالة بعنوان « صانع البؤس » 
وحدثنى ببعض ما تضمئه ذلك لمقال » وأسندت روايته إليه . بعد أن فرغئا من 
حديث الديب -حكئ لى عن اينة عمه تلك » وأنه لم يكن يعرفها من قبل » وأنما 
اتصلت به تليفونيا وعرفته بنفسها » فلم ينكرها بل رحب بها ولقيها وقدمها إلى من 
يعرف فى نقابة المهن القثيلية لكى تنال عضوية الثقابة . . إلخ . 

جعلت امه فى القصة « محمد مختار البرجى » وهو أسم قريت من الاسم 
الأصلى » وغيرت فى الوقائع التغيير الذى اقتضاه الفن القصصى » ولا أدرى أقراً 
القصة أم لم يقرأها ‏ ولا ماذاكان مصير علاقته بابنة عمه » فلم نتحدث عن شىء 
من ذلك بعد ذلك . 

كان حام مشهورا بالاقتراض الذى لا يرذ . . والواقع أن هذا كنت أسمعه 


كنا 


فقط » أعنى لم بحدث معى ؛ ربا لأنه ذكى يفطن إلى أن مثل ليس معه ما 
يطلبه . . والواقع كذلك أن الخط البيانى لحالته المالية كان بتكون من مرتفعات 
عالية ومنخفضات . . لم يكن لال عنده أية قيمة غير أن يبذره » ولم يكن تحصيله 
يتعذر عليه » ولكن ما أسرع ما ينفقه . 
التقينا مرة عند الأستاذ إبراهم دسوق بك (لم يكن نال الباشوية بعد) فى 
منزله الذى كان قريبا من شارع خيرت بالجزء الراى النظيف من حى السيدة 
زينب . وذلك فى ندوة أدبية صحبت إليبا صديق الشاعر الكبير العزير أحمد 
الزين » وماكان لى إذ ذاك شأن أدلى يؤهلنى لحضور مثل تلك الندوة » إنماكنت 
أرافق الزين » كان يتأبط ذراعى أو أتأبط ذراعه بحيث لا تبدو فى صورة كفيف 
ومن يقوده . . هكذا كان يحب الشاعر الضرير» وكان يكره - إذا كان سائراً 
وحده - أن يقصد إليه أحد المارة لمعدى اطرع قمة تهديه » وحدسه 
كفيل بأن يجنبه أخطار الطريق . 
رأيت هناك إذ ذاك الولد النجيب ١‏ ثروت » التلميذ دوي الابتدائية » 
وكان حام يناقشه فى بعض مسائل اللغة العربية كأنه يعطيه درساً » ولكن الولد 
يتفلت من هذا المستوى الصغير ونحاول أن يصعد إلى مستوى الندوة بالاصغاء إلى ما 
يدور فيها . ١‏ 
الهم أننا عند انصرافنا فى منتصف الليل صحبنا حام إلى منزل الزين فى بركة 
الفبل » وكان الطريق شبه خال » ل يكن السكان قد تكائفراكيا هم الآن » وكان 
القمر ساطعاً يغالب مصاببح الشارع . قطعنا الطريق فى أكثر من ساعة وهر لا 
ياج إلى أكثر من عشرين دقيقة » لأننا كنا نتوقف فى بعضه كى نستمع إلى 
حديث جام وطرائقه . 0 
وبعد أن أوصلنا الزين إلى منزله صافحت حام مسرعاً . . أخشى أن يطلب, 


1 


فى اقزقماً + نزم" ل جني ما يقرن. 

لو أن أحاديث حام فى المجالس والندوات دونت لاجتمع مها مؤلق أو 
مؤلفات ذات طلاوة وقيمة » كان كتابا متتقلا شفويا لم يدون . :يسيم إليه 
المستمع مكفيدا دون أن يعالى جهد القراءة: مستانساً بروحه العذبة ؛ سويتماً 
بإلقائه ونبراته . ولو أنك بذلت له ما استطعت فا يساوى ما تبذله شيعا نما أعطاك 


من متعة وفائدة . 


هذا 


على أحمد باكثر 


. م أكن قرأت له ولا رأيته عندما عرضت مسرحيته ( سر الخا"كم بأمر الله ) على 
المسرح » ولكنى سمعت بعض الأصدقاء يتحدثون عنه بحب وتقدير » قالوا : شاب 
عربى حضرمى جاء إلى مصر وتخرج فى كلية من جامعتها وأقام فيها . هو إذن من 
حضر موت » البّى عرفناها من قديم فى النحو على أنبا مركب مزجى ١‏ ممنوع من 
الصرف . 

وتعلمنا الخغرافيا دون أن نعرف أين تقع » فقد كانوا يقولون: لنا عن كل بلاد 
الدنيا ما عدا بلاد شبه الجزيرة العربية والشمال الأفريق ؛ كان الاستعار مثل الأب 
الذى افترق عن زوجته ويقول لابنه : إن أمه مانت ؛ يريد أن يصرفه عنها » ولكن 
الابن لا يقتنع » وكلا كبر بسأل ويبحث حتى يعثر عليها . . . ونحن كذلك » أخيراً 
.عرفنا مكان «حضرموت ) وأمثالها على الخريطة » ومحلتنا « الرسالة» تذهب إلا . . 


ا" 


كنت أكتب فى الرسالة - فها كش :-اتقداً مسريع © وأهمم اهرّاماً خاصًا 
بالمسرحيات التى يؤلفها أدباء مثل توفيق الحكيم ومحمود تيمور ثم على أحمد 
باكثير » وكان هناك مسرحيات أخرى كثيرة يؤلفها أو « يلطشها» من المسرحيات 
الأجنبية آخرون » لا يزالون أولا يزال أمثالهم يفعل » حبى الآن . . . 

أخرجها زكى طلمات أحسن إخراج . ومثل يوسف وهب البطل الأول فيها وهق 
«الحاكم بأمر الله» وأظن ذلك كان فى فترة تعاون فيها عملاقا المسرح : زكى ٠‏ 
طلمات ويوسف وهبى » ولكن يوسف وهبى كعادته يكاد يطغى على كل شىء فيا 
5" ؛ فالاعلانات فى الصحى وعلى الجدران ياوها اسمه بحروف كبيرة وغتااة 
فى زاوية أوركن من بعض الإعلانات يكتب اسم المؤلف «على أحمد باكثير» 
بحروف صغيرة . . كانه لص سرق مسرحية اجنبية وينبغى التستر عليه . . . 

غاظنى ذلك » فقلت إن يوك وى يأكل للم با كثير وير عظامه مثل 
الغول فى حكايات الشاطر حسن وست الحسن والال . . 

ثم عرفت باكثير » وعرفت فيه فضائل إنسان أعظم من أدبه وإن كان "أدبه 
عظيماً . م يكن يكذب قط ء ولم يكن يمقت شيئاً ىا يمقت الكذب . وكان 
جواداً لا يشعر أنه كريم » بل يرى الجود أمراً عاديًا لا يستحق الالتفات إليه . . . 
الصديق على متولى صلاح الذى. لا ينجو أحد - حيا أو ميتاً - من هجوم لسائه 
يرطب هذا اللسان إذا جاء ذكر باكثير ويتغنى بإنسانيته وفضائله » هذا اللسان 
المجاء يلتوى عندما يذكر باكثير » يصير إلى العكس مادحاً ! ولعلى متولى صلاح 
فضل يذكر فيشكر » ذا كرف عن باكثير » وأمدنى ببعض ما عرف عنه وهو يود أن 
يؤلف فيه كتاباً . 

تلك سمات بدوية جاء بها على أحمد .باكثير من شبه الجزيرة العربية وظلت به 
لم تبرحه . وكذلك لم يكن «ملمعاً» يحسن اللقاء » بل على العكس تراه يكاد يكو 
لوال عت 


١ 


مغلقا ؛ وتعجب كيف ينتج ذلك الإنتاج الأدبى » ثم إذا عاشرته وبلوته وجدت 
معدنا نفيسا وإن بدا غير براق . 
5 

جاء ا باكفر إلى القاهرة سنة :4 ١9‏ » كان يحفظ القران الكريم وكثيراً من أشعان 
العرب » أزهرى لم «يحاور» فى الأزهر. انما نشأ هكذا فى « حضر موت ) جاء إلى 
صر «شيخا» صغيرا » يمده أهله بما يحتاج إليه من مال » واتجه فى تعلمه اتجاها 
مختلفأ عا نشأ فيه » تعلم اللغة الإنجليزية ودخل امتحان الثانوية العامة وحصل على 
الشهادة التى أهلِتِه لدخول جامعة فؤاد الأول (كيا كانت تسمى إذ ذاك) . وكثير 

من الئاس لا يعلم أن باكثير تخرج فى قمم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب ودرس 

« بتشديد الراء) اللغة الإنجليزية بالمدارس الثانوية وذلك لغلبة الصبغة العربية فى 
كتابته وجزالة أسلوبه وسلامة لغته » مما يدل على سعة اطلاعه فى الأدب العربى 
والثقافة الإسلامية والتاريخ الإسلائى ؛ الذئ استمك .هنه كثيراً من موضوعات : 
مسرحياته. وقصضه ٠‏ وظل مثابراً على التحصيل. العربى إلى جانب تضتلعه فى اللغة 
الإنجليزية » يضاف إلى ذلك شخصيته الى كانت تشبه شخصية شيخ معمم 
تطريش + 1خ 0 ١ : ١‏ 
لم يكن تحصيل باكثير فى الثقافة العربية الإسلامية علما فقط » بل كان عقيدة 
غرست فى أعاقه منذ الصغر فامتزجت بمشاعره واستولت على أفكاره العروبة ولغتها 
وشعرها » كان فى أول حياته الأدبية مشغوفاً بقول الشعر » ولكن التأليف المسرحى 
أخذه أخذاً قوياء فلم يدع للشعر منه إلا الإلام القليل ٠.‏ | 

كان أستاذ الأدب الانجليزى بالكلية يحاضر عن «شكسبير) فأشاد بتعبيره 
الشعرى » وتأتى اللغة الإنجليزية لهذا التعبير وتحررها من القيود فى الشعر . وانشغل 
فكر الطالب على أحمد باكثيز بقضية كان الرائد العربى فى حسمها » تلك هئ 

مين 


مطاوعة الأوزان الشعربة للحوار المسرحى ٠‏ وخخطر له أن يحرب اللغة العربية ى 
وزن شعرى أطلق عليه | مم والشعر المرسل المطلق » وذلك أولا فى ترجمة مسرحية 
بشكسبين # روميق 0 وثانياً فَْ تألين مسرحية «إخناتون ونفرتيى ) وقد 
اتخذها قالباً للتعبير عن أزمة عاطفية مر بها تعلق بفتاة فى بلده الأول كان يحبها وم 
يوفق فى الزواج با . 

كان من رأى باكثير الذى حدثنى به أن أى تراث قديم لبلد عربى لا يتعارض 
مع فكرة العروبة 6وأك معالة « الفرعونية» لا تشجب إلا عندما يراد بها محاربة 
العروبة . 

وكان باكثير - بذلك الشكل الشعرى - من الرواد الأول لما سمى بعد ذلك 
بنحو عشرين سنة ؛ الشعر الحر» ولم يمض باكثير فى هذه التجربة لأن الجو الأدبي 
إذذاك لم يكق مهيا ها فلم تلق تأييداً إلا من كاتب واحدء 
هو إبراههم عبد القادر المازنى ؛ إذ كتب مقدمة للمسرحية وأعرب فيها عن تقديره 
للتعبير الشعرى الذى لا يكاد قارئه يدرك أنه شعر موزون » وهذا ما لحظناه بعد 
ذلك فى المسرحيات الشعرية الى نسجت على نول الشعر الحر» مثل مسرحيات 
عبد الرحمن الشرقاوى . 

واتجه باكثير- بكل ثقله - إلى التأليف المسرحى » كتبه أولا بالشعر» 
أعرض عن الشعر غنائيًا وفسركيًا + أما القصائد الغنائية فكان يلم بها قليلاً . وأما 
الشعر المسرحى فقد. رأى أو أخذ بالرأى القائل إن المسرح يحب أن ينطلق بالنثر . 
ولا يتقيد بالنظم . 

ومع اهّامه الكلى بالتأليث السرح كنب - إلي جانب مسرحياته الكثيرة - 
خمس روايات ,مها « واإسلاماه» الى صور نم الكفاح العربى ضد التتار. 

دل يكن يكب انرا غيز و انمض حمر ابروا + الوب إلقا كل 2 


15 


يرد على أحد » ولم بناقش فى غير المسرحيات » كا فعل فى مسرحية «حبل 
الغسيل» التى سيأق ذكرها . 

لم يكن باكثير مصريًا » أى ل ينشأ فى بيئة مصرية فيتشرب روحها ويتكون 
لديه «الحس الاجتّاعى » الذى يأبى بعض الألفاظ » وهذا الحس لابد منه فى 
التأليف المسرحى بصفة خاصة » لذلك كان يشتمل حواره أحياناً على كلمات تعد 
نابية بالنسبة للذوق النحلى المصرى » فيقول عن متولى صلاح إنه سمع فى حوار 
مسرحية «مسمار جحاء قول أحد الممثلين للآخر : يا ابن الفاعلة فأبدى- على 
متولى- اعتراضه للأستاذ زكى طلمات مخرج المسرحية فقال هذا : آه. . فاتتتى 
هذه ! واتفق على أن يقال بدلا من ذلك : ياابن الى . . . ولا تذكر صلة 
الموضوك . ش ش 

وقد لقيت مسرحية « مسهار جحاء نجاحا كبيزاً فى عرضها على المسرح » لأنها ' 
ترمز إلى الاحتلال البريطانى الذى أعطى الاستقلال الشكلى لمصر» وجعل يتذرع 
للتدخل فى شؤونها كا يتذرع بائع البيت فى المسرحية للدخول لرؤية المسمار الذى 
اشترط البائع أن يبق مدقوقاً فى مكانه على أن يدخل إليه فيتخقق من وجوده متى 
أراد ! 

وفى نلك الأثناء - وكنت ممن كتب عن المسرحية - دعيت إلى ندوة «مع 
النقاد؛ فى البرنامج الثانى للاذاعة » لمناقشتها . وهناك رأيت عجباً . . . رأيت 
الزملاء فى الندوة من لون يضرب إلى الحمرة . . انهالوا على المسرحية ومؤلفها بكل 
نقيصة . . التفت منذ ذلك الحين إلى أن باكثير يتعرض لضراوة القوم » لأنه 
يتمسك بقم لا يعيرفون بها » لأنه - وهذا مجلبة للحسد - ناجح تلق :مسرحياته 
إقبالا كبيراً لاتناله مسرحيات من يؤلف منهم مسرحيات , 

وأذكر أنى فلت فى تلك الندوة » معارضاً ثاثراً على ذلك التحامل : إن .با كثير 


١:١ 


هو الثانى بعد توفيق الحكمٍ ؛ الذى ألف مسرحيات تعرض من صمي الأدب , 
فتقرأ كإنتاج أدبى يتم ولولم تعرض على المسرح . 
واشتدت تلك الضراوة » وأحكمت حلقاتها عليه » وسدت المسالك فى وجه 
إنتاجه عندما افتقد أولئك القوم عرش الهيمئة على وسائل الاتصال بالجمهوز 
وخاصة المسارح » وكان ذلك ىا يعلم الجميع فى الستينيات من هذا القرن » وما 
أشد ما لقيت وعانت بلادنا فى تلك الستينيات ! 
ومن حسن الحظ أن أفلتت منهم - فى فترة ما - بعض الوسائل مثل مجلة 
« الرسالة» فى عهدها الثانى الذى أصدرتها فيه وزارة الثقافة » ثم حاربوها لما رأوا 
الحرب معلنة عليهم فيها » وجدوا فى حربها حتى توقفت  .‏ 
كنت مشرفاً على الجلة » وعلمت أن باكثير يكتب مسرحيته ٠‏ حبل الخسيل » 
فأخذتها منه ونشرتها مسلسلة » كان موضوعها ينصب على رعوس الشيوعيين 
اتصباباً لا هوادة قيه , وا أنبا كانت عالية الصوت » فأضعف: هذا فيا + ولا 
تردد أن باكثير.مضطهدة مسرحياته مقلقة أنامها أبوابه المسرح + اتتيز القوم 
الظالمون هذه الفرصة : فرصة ضعف المسرحية ورضوا ان تعرض »؛ وفى الوقت 
أنفسه عمُلوا على إخراجها وتمثيلها بسوه » ثم انمالوا عليها نقداً وتجرعاً » هم 
وأبواقهم فى الصحن وامحلات . ولم.يستمر عرضها طويلاً » كأنهم قالوا : هذا هو 
باكثير الذى تتبموننا بإقفال الأبواب فى وجهه . . . 
والواقع أن باكثي ركان فى تلك الفترة فى حالة نفسية سيئة » فاض به السخط 
. حتى لأ إلى الشتم السافر فى المسرحية » وضحك المشتوم ساخراً . . 
ومات باكثير على أثر ذلك ٠.‏ 
يبدولى أنه وقع فى مثل ما وقع فيه ؛ سيبويه 0 إمام التحويين بالبصرة عندما عن 
له أن يرخل إلى بلاط الخليفة فى بغداد» فيرز له الكوفيون المرابطون هناك » 


١517 


وعقدوا العزم على دحر هذا ١‏ البصرى» المتقحم . . . وأجريت مناقشة علمية أمام 
الخليفة هارون الرشيد شوشوا. عليه فيها حتى أظهروه بمظهر المخط' . . ورفعوا 
أصواتهم هاتفين : هذا هو البصرى الذى جاء بناقش الكوفيين فى مقر الخلافة . . 
وعاد المسكين أدزاجه. غخائي. الملمى و . مات ] 

من المؤسف أن تكون تلك خانمة جد عظبم فى التألي المسرحى تمثل فى كثير 
من 'الروائع ؛ أكثرها عرض على المسارح » وبعضها لم يعرض . 

وه 

اتخذ باكثير مادته - فى معظم المسرحيات والروايات - من التاريخ العربى 
والإسلامى » وجعل هذه المادة مهاد لقضايا معاصرة قومية وإنسانية » وكانت 
العروبة هى الشغل الأول الشاغل لوجدانه وفكره » من حيث الأصالة الأدبية 
واللغوية » ومن حيث المضمون القومى . 

وقد شغلته - باعتبار خاص - قضية فلسطين » فسخر بالصهيونية ودعاتها وفند 
دعواها الباطلة » وأضحك الناس على مهازهم وسخفهم » وهو يشعر بالأم 
وا مرارة . كان يرى - كا قال لى - أن الكاتب المتأثر بالفاجعة يكون أقدر على التعبير 
الفكاهى (الكوميدى) من حيث تصوير مرتكبى التواجع ف بور عزاية 
مضحكة. وتم له ذلك فى عدة مسرحيات نالت نجاحاً كبياً » ما 
« شيلوك الجديد؛ و وشعب الله الختار» و «إله إسرائيل» . 

وكتب عن الكفاح الوطنى المصرى منذ الاحتلال الإنجليزى مسرحيتى «مسهار. 
جحا» و« إمبراطورية فى المزاد» . 

وله إلى ذلك مسرحيات اجماعية منها الدنيا فوضى ) و«جلفدان هام ) 4 

وقد شارك فى الاستيحاء العالمى لمسرحية سوفوكليس «أوديب» فعرضها عرضاً 
جديداً على أساس جديد غير الأنناس الذى بناها عليه المؤلف اليونانى القديم » فى 


714 


الشكل وف الموضوع » إذ ساق - باكثير- أحدائها بطريقة واقعية جديدة » 
وفسرها تفسيراً واقعيًا جديداً ٠‏ وجعلها فى شكل ملائم لروح العصر الحديث » 
واستخدمها لمرمى خاص » فقد كتبها عقب حرب فلسطين سنة 1148 فى وقت 
ساد فيه الفساد وغلب اليأس على النفوس » وقد رأى فى القصة محالا للتنفيس 
وتصوير ما يريده بعيداً عن المواجهة وامجاببة والمصادرة » فصور فيها شعباً بائساً 
يؤْمن بالمعبد » ومن المعبد بؤسه ونكبته » وللمعيد من أوقانه ومن أملاكه ما يشغله 
عن الاهيّام ببؤس الشعب » بل إن الأموال المكدسة فيه إنما هى من أقوات 
الشعب » سلبت منه لتجمع فى أيدى الكهنة الذين يرون مصالحهم فى تموبه 
الحقائق على الشعب وتعليق مشاعره وأفكاره بأوهام تبعده عن إدراك الحقائق 
ومثل ذلك كان جاربا فى مجتمعنا العربى مع اختلاف المرموز به والمرموز إليه. 
505 . 
كان على أجمد باكثير أول أديب بحصل على منحة التفرغ من وزارة الثقافة 
سنة 1971 وكانت لمدة سنتين وضع فيهما « ملحمة عمر) وهى مسرحية طويلة 
طويلة . . . تقع فى عشرين فصلاً يصور فيها عهد عمربن المآطاب » ولو مثلت 
تشغل نحو ثمانى ساعات » وكان يامل أن. تمثل فى عدة خلقات وعدة حفلات » 
دكن ذلله م يصمقق + هلم خثل وقد طيمت فى عد علدات. + ملا أله إن 
أسماها «ملحمة) , يحبنى إجابة مقنعة » فالملحمة تكون عادة شعراً وهى نر » 
وأعتقد أنه سماها «ملحمة؛ لطولها » ولا أرى اقل كايا اسم + والللجمة شىة 
والمسرحية شىء آخر مهها طالت . إن صنيعه فيها يشبه - من يعض الوجوه - صنيع 
توفيق الحيكيم ف كتايه وععبذ؛ لإنا كلا مثما وشيع اتاريخ لق سياغة مرحة ٠‏ 
لم يكن على أحمد باكثير يبتم كثيراً”بالمادة » كان الثلق والأدب الرفيعان أكثر 
همه قر لك لات ليا هيك مها ل نع سال لجار ع رن لا 


154 


دون كتابة عقد » وأخرج الفبلم » ومثلته وغنت فيه أم كلقوم » واشور شر الفيلم وانتشر 
فقال لباكثير أصحابه : كيف ترضى بذلك القن وأنت ترى هذا الشأن الكبير 
للفيم ؟ ارفع قضية . فألى أن يدخل فى مقاضاة » واكتثى بسروره من تجاح الفلم 
وانتشارة . 

واكنه عم انق كلل يان طوال حياته من طغيان المقدمين فى المسارح » وغلبة 
العناصر الأخرى على المؤلف واعتباره آخر من يقدم . . . فانخرج هوكل شىء كا 
يقولون » والممثل اللامع هو الذى يكتب اسمه بالحروف الكبيرة » أما المؤلف فهو 
إن لم يكن ذا جاه كصحئ مثلاً فإن امه هناك فى ركن لا يكاد يرى بحروف صغيرة . 
صغيرة . . ورا لا يذكر. . 

وكان باكثير موظفاً بوزارة الثقافة نقل إليها من التدريس بعد أن قضى فيه 
أربعة عشرعاما . وكان عمله فى الوزارة أولا فى «مصلحة الفنون» التى أنشعت 
فى المخمسينات برياسة الأستاذ يحبى حت » وكنت أراه هناك هو ونجيب محفوظ فى 
غرفة واحدة . حكى نجيب محفوظ - وهو يتعجب من الناس الذين لا يفهمون- ' 
أن جاء إِلِيه ى ذلك لوقت رجل مسري - وظلب مته أن يؤل له مسرحية > 
فاعتذر نجيب بأنه لا يكتب مسرحيات وإن فنه الذى قصر عليه قلمه هو الرواية 
والقصة لياه » وأشار له إلى الجالس معها إلى مكتبه فى الحجرة على 
أحمد باكثير» فهو الخقص بالمسرحية » ولكن الرجل انصرف دون أن يكلم ' 
باكثير, . . كان يريد اسم نجيب محفوظ ء الأسم فقط على أى شىء ! 

لم يكن كل مهما - نجيب وباكثير - يكتب المقال - وظل باكثير كذلك » 
ولكن جيب خرج إلى كتابة المقال وخاصة فى السياسة يجريدة الأهرام . ولعله شعر 
أخا بأنه ليعش فنه » فهيجره وقصر أمره على الكتابة القصصية يبث فها مايريد أن 
يقوله إن فى السياسة أوغيرها » وإنكان يبدوفى قصصه الأخيرة بعي دعن السياسة , 


١1ه‎ 


ولأن باكثير لم يعبأ بالناحية المادية وقصر همه على الأدب كان شأنه فى الوظيفة 
صغيراً وفى الأدب كبيراً » يشبه فى ذلك مصطق صادق الرافعى » ويشبهها فى 
ذلك أيضاً كثير من الأدباء مثل محمود البدوى وعلى أدهم وحسن كامل الصيرق » 
وهؤلاء يعانون لذلك من قلة «المعاش » كا تعانى أسرة باكثير من بعده . يقول يحبى 
عق + بائاس . , أنا اليس لى غير الناش .. .. والعلاج يتطلب: ملى كي ويكاق 
برهقنى » بل هويرهقنى فعلاً . ويتساءل توفيق الحكم : لماذا لا يكون لنا علاج 
ورعاية مثل القضاة ؟ وتكاد جلسات لنة القصة - بالمجلس الاعلى لرعاية الفنون 
والآداب - تكاد تكون مجتمعة للشكوى من سوء الخال وحال الأدباء بصفة 
خاصة . . . والمواصلات يا أستاذ ! القليل منهم له سيارة يحمل فيها الكل « بفتح 
الكاف» والضعيف من زملائه » فيحميهم بهذا من انتظار ما لا.يقف من 
«تكسيات » وما لا مكان لقدم فيه من « الأتوبيسات » وهم على ذلك يثابون من 
امجلس بقروش معدودات » تمسك بها «الضرائب» وهى لا تلحق بالهاربين منها 
والهاربات » ذوى الدخل غير المحدود والذوات ! 

ونعود » من هذا الذى يجنا إليه أن الشىء بالشىء يذكر » إلى باكثير . كان 
من عاداته الغريبة أن يؤثر الأقلام الرديثة فى الكتابة , كان يستعمل قلم حبر يتوقف 
فى الطريق كال مار البليد . . يؤثره لأنه يتيح له - بتوقفه عن الكتابة - أن بفكر قبل 
أن يسطر تفكيراً عميقاً فى اللحظات التى يحف فيها المداد على سنه . . يقول 
على متولى انه يعرف قلمه الاسود الذى ' يفارقه قط ! 

وذلك آمر عجعة . . فأنا مثلاً إذا وقع حفلى فى قلم مثل ذاك فإنه يكدر 
صفوى » بل يشثيرف إلى درجة أن احطمه ولا أكتب . 

. ليلة وفاة على أحمد باكثير ( فى نوفبرسنة 1974 ) كان على - من قبل جمعية 
الأدباء - أن أتصل به لدعوته إلى رحلة داخلية من الرحلات التى كانت تنظمها 


155 


ال جمعية لأعضائها . 

اتصلت به تليفويا فى متزله » فحادثئنى عادثة تدل على منتّبى صحته » 
واعتذر لآن زوجته مريضة وتحتاج إليه فى إجراء لعله «عملية) وى اليوم التالى 
فاضت روحه . : 00 ذرية من صلبه كان يرعى ابنتين لزوجه كأنها ابنتاه » لم 
تعرفا أبا سواه » نم الاب كان : كا كان لم الصديق » ونعمت ذكراه . . 


ل 


يوسف السباعى 


أمعقول أن يكتب ضابط صغير فى الجيش هذه القصص التى تنشر فى مجلة 
« مسامرات الجيب » فتجذب إليها الأنظار؟ 

هكذا كنا نتساءل فى الأربعينات من هذا القرن » ثم نقول وكأننا وقفئا على 
السر الدفين . 

آه . . إنه ابن محمد السباعى » لابد أن أباه قد ترك هذه القصص دون نشرء 
فجاء .هو ينشرها مدعياً أنها من قلمه : 

كان محمد السباعى كاتباً أدياً خفيف الظل فى شخصيته وفى كتابته » ولكن 
هذه القصص شىء آخر يختلف جداً عن قصصه سواء فَْ مترجاته أومنشاته . 

ويعود العناد الغبى فى نفوسنا يفرض نفسه الحاسدة ويقول : إنها ليست بنصها 
كا كتيها المرحوم + وإنما ابنه يغير فيها ويحور . 


1١54 


هكذا بدأ يوسف السباعى يكتب وهو متهم يحنى عليه أمران : الأول بنوته 
لأديب كبير والثانى أنه ضابط » وما للضباط والأدب ! 

ومع مرور الزمن انزاحت عنه التهمة الأولى ثم بق أنه ضابط » يضاف إلى 
هذا : السرعة الفائقة التى يكتب بها فينتج هذا السيل المهمر من القصص . 

وعين الحسود ترمقه . . إنه لاينحف ؛ بل يعدو عدواً كالحصان الذى يركبه فى 
سلاح الفرسان الذى هو ضابط فيه . . فهذه الفرقة القومية » الفرقة الحكومية ٠‏ 
الرسمية . . تمثل له مسرحية اسمها « أم رتيية ؛ فى مسرح حديقة الأزبكية العريق . . 

اللهم. غفرانك . . هل كنت أنا أنظر بتلك العين : عين الحسود » حين 
شاهدت تلك المسرحية » ثم كتبت عنها فى أخبار اليوم ؟ حملت عليها حملة ساخرة 
شملت الؤلف وفرقة الدولة الى يحب أن ترتفع عن هذه المساخر فتعرض هذه 
المسرحية الموغلة فى المزل الفارغ ويمثل البطل فيها « فؤاد شفيق » ذلك الممثل 
العملاق الذى لايليق به أن يبدو بهذا المنظر المزرى . 

ولكن لا ؛ إن لى وجهة نظر » فالفن لابد أن يعطى شيئا غير محرد الضحك » 
ومسرحية أم رتيبة » مضحكة » ولكنها لاتعطى شيئا » وهى كذلك مضحكة . 
بطريقة مبتذلة . 

ثم رأيت فى مقدمة لإحدى المجموعات القصصية المتوالية الى يصدرها كاتبنا 
امنطاق بأقصى سرعة - رأيته يسخر مما كتب عنه فى أخبار اليوم ويقول إنه لن 
يلتفت إلى شىء من ذلك ولايشغل به باله ؛ إيثارا للإنتاج وعدم تبديد الطاقة فى 
المناقشات . وحسناً فعل » فقد كانت موالاة الإنتاج والتوفر عليه أجدى . 

ويوسف السباعى ينطبق عليه مايقوله « سومرست موم ؛ : « قليل من الإدراك 
السلم » وقليل من التسامح » وقليل من المرح » وسوف تدهش عندما ترى كيف 
استطعت أن تربح نفسك على ظهر هذا الكوكب ». 


اال 


كان يتصف بال خلال الثلاث » ويغلبها الإدراك السليم » وهى من أسرار طاقئه 
الكبيرة وإنتاجه الغزير والاقتدار العجيب على مختلف الأعال » ويضاف إلى 
الخلال الثلاث تنظيم. الوقت بحيث يتسع عنده لكل شىء حتى امرح . 
وكان من تساحه أن لقينى بعد ذلك » أى بعد ما كتبته عنه » وكأن لم يكن" 
شىء » وتوطدت العلاقة بيئنا عند إصدار محلة « الرسالة الجديدة » » إذ رحب بى 
واستقبلنى فى نادى القصة الذى اتخْذ مقرا للمجلة وكان فى ميدان التحرير » كنت 
بصحبة المرحوم ميجر اسار ويؤلنى أشد الألم أن يصبح أكثر أصحابنا 
من « المرحومين » قال لى السحار إنه تحدث إلى يوسف فى شأن استقطاب بعض 
الأقلام البىكانت نكتب فى الرسالة القديمة بأن ذكرفى له » وهوحريص على ذلك . 
ألف رحمة عليك يايوسئ . . بدأنا العمل فى الرسالة الجديدة وكأننا أصدقاء 
من زمن بعيك , 
اقترح على أن أكتب « غرام الأدباء » فصادف الاقتراح.ارتياحا من نفسى إبان 
الشباب وتفتح النفس لثل ذلك . ولا جمعت تلك الفصول كانت أول كتاب 
يصدر لى . | 
سافرت إلى السودان فى فترة صدور الرسالة الجديدة وقضيت هناك ثلاث سنين 
كنت أراسل فيها يوسف السباعى وأبعث إليه المقالات . مرة شكرت له موقفاً » فرد 
على يقول لاداعى للشكر فأنا الآن فى موقع يتيح لى أن أؤدى شيئا » وغدا قد تكون 
أنت فى مثل هذا الموقع . . حكيت هذا أخيرا لبعض الأصدقاء ونحن نذكر محاسن 
الفقيد العزيز فقال طاهر أبو فاشا : هذا معق -حسن ولكته ليس إنسانياً 1 يقصد أن 
العمل الإنسانى يعمل لذاته دون النظر إلى محازاة فى مستقبل » ولكن يوسف كان 


_ يريد أن يشعرنى بالأهمية » لاأن أحفظ له الجميل وأرده له فيا بعد . وكان هذا 


مها 


دأبه مع أصحابه » ما اتصل به أحد إلا حمد صحبته » لم يكن يهاجم إلا من 
بعيد . . إلا ممن لايعرفه . 

كان أكثر من يباجمونه يفعلون ذلك تظاهراً بالبطولة وأنهم لايهمهم مركزه . 
وكان بعض العارفين بفضله يحجمون عن ترطيب اللسان أوالقلم بذكره » تحرجا من 
أن يعد ذلك من قبيل التزلف . 

لأنه كان ضابطاً فى الجيش ؛ وجاءت ثورة الجيش فوضعته فى موضع القيادة ' 
الأدبية وأتاحت له بعض السلطة فى هذا امجال » لهذا كان ينظر إليه ظلماً وإجحافاً 
على أن جدارته مستمدة من الثورة العشكرية وأنه واحد من ضباط كثيرين. تركوا 
اليش وأنخذوا مراكر .ندلية رئيسية . 

والواقع أن يوسف السباعى بلغ مابلغ بأدبه وصفاته الإنسائية وقدرته العجيبة 
على تسيير الأمور محكة ولباقة » كانت الخلال الثلاث عدته : الإدراك السللم » 
والتسامح » والرح . ولك أن تضيف إليها الذوق السلم . 

لم يكن التسامح عنده موصرفاً بالقليل » بل كان كثيرا إلى الحد الذى -حدثنا 
عنه عبد الرحمن الشرقاوى فى مقال بالأهرام عقب حادث الاغتيال فى قبرص » 
قال الشرقاوى إن يوسف السباعى كان ينفق من ماله الخاص على عائلات 
الشيوعيين التتلين ...ومن نخزلات عن رزاتجمه + ش 

كاذ ذلك التسامح - فى بعض صوره - مطعنا على يوسف نفسه - فإنه سرعان 
ماينبى مواقف. اللتصومة ويقرب» إليه الخصوم وسن. إلهم » بل يؤترغم عل 
أصدقائه القدامى . . ومن هناكان هؤلاء يتبمونه بالتفريط فى حقهم وإيثار الجدد 

عليهم » كسباً لهم » أما القدماء فهم مكسوبون جاهزون | 
كنت ترى « الولد من دول » يهاجم يوسف السباعى » فى الكتابة وى 

انجالس ؛ فا يتصل به ويتعرف عليه حتى ينقلب إلى صديق حمي . 


أها 


ولقد أفرط فى ذلك حتى قدم من لايستحق على من يستحق » واستجاب 
للمتزلفين فأفاض عليبم . كان عيبه فى ذلك أن نظرته محصورة فى « الركب » حتى 
لاترى من يتخلف عنه . 
وأنا فى السودان ترامى إلى أن ١‏ الرسالة الحديدة » ركبها قوم آخرون بقيادة 
أحمد حمروش ومعه محمود أمين العالم وصالح مرسى وراجى عنايت وغيرهم . 
كانوا يصدرون محلة « الفجر؛ عن دار الجمهورية الى تصدر ١‏ الرسالة الجديدة » 
ورأت الدار أن تختصر العيئين فى عبء واحد . . فألغت الأول: وضمت هيئة 
تحريرها إلى هيئة تحرير الثانية . . وظل يوسف السباعى رئيس التحرير يشرف برحابة 
صدره على الجميع » ويكسب بتسامحه الجميع . 
رجعت إلى مصر بعد إنباء عملى بالسودان فى ذلك الإبان » ولأمر ما انمسر 
بعض أعضاء الفجر عن الرسالة الجديدة وإن ظل أكثرهم فيها يقبضون مرتباتهم 
الكبيرة فن مرزانيتها وى جلة شهررية العمل فيبا عدو ولكن الرؤق تمدو ... 
رأى يوسف السباعى أن يضع تنظيما جديدا للمجلة ؛: فيه بعض التجاهل 
لعناصر الفجر. . جمعنا : محمد عبد الحليم عبد الله » وفوزى العنتيل » وأنا . 
أسند إلى الأول الناحية القصصية ومنها باب جديد يتضمن ١‏ قصة لاتستحق 
النشر» مع بيان الأسباب وأسئد إلى الثانى الشعر » وكانت بقية المواد من نصيى » 
من مقالات ونقد » أذكر أنى اصطدمت بصالح مرسى . إذكان يكتب بابا إخباريا 
وأعملت القلم فيه بالحذف والتعديل » فصرخ واستصرخ مدير التحرير أحمد 
' حمروش » وشرح كل منا وجهة نظره فوفق بيننا بطريقة لبقة تدل على شخصيته 
اللطيفة الحببة . 
وفى هذه الفئرة عرفت هناك بعض الشبان الأدباء الذين يشقون طريقهم على 
استحياء منهم موبى صبرى كاتب القصة القصيرة وامحرر بامجلة » نال من نحو ثلاث 


وها 


سنين جائزة الدولة التشجيعية فى الرواية » وشاب آخر له ظروف غريبة فى نشأته 
وحياته ثم عمله بامجلة كان « ساعيا » يعمل عمل السعاة » وهو فى الوقت نفسه 
.أديب قصصى يجتهد فى تككيل نفسه وإعدادها لشىء آخخر » تحقق له هذا الشىء أو 
أول درجة فى سلمه » إذ شملته رعاية الرجل جل السليم الإدراك الفطور على اير : 
يوسف السباعى » فنقله إلى كاتب فى إدارة انجلة » وإن لم يكن كاتب تحرير. 
فقد أجلسه إلى مكتب يفحص الرسائل الواردة ويوزعها . . ثم نشرت الرسالة 
الجديدة قصصاً قصيرة لمحمد سالم ( وهذا اسمه) الذى نشأ فى «إصلاحية 
الأحداث »). . وصار هذا «١‏ الحدث » كاتبا قصِصدً مرموقاً : : لاأدرى لاذا هو 
ميض الآن عن الساحة الأدبية ؟ 

كانت تلك هى طريقة يوسف السباعى كرئيس تحرير » يوزع مسئؤلية الأقسام 
عل مين يلق يمي على كلا مزبي سلطة ريسن اروز أ قبسمة.. ثم تمر 
وإياهم فى اجرّاعات دورية يبدى لهم ويبدون له » .ويبدق كل منهم للاخر» 
وتسير السفينة باسم الله مجراها ومرساها . . عملت معه بمقتضى هذه الطريقة فى مجلة 
أخرى اسمها « الحياة » كان يصدرها المجلس الأعلى لرعاية الشباب مسندا رياسة 
تحريرها إلى يوسف السباعى » ومن بدءوا اللا فى .هذه المجلة الشاث المحند 
البائس ( حشن محسب ) ,١‏ 

أصبحت الرسالة الجديدة ذات هيئتين للتحرير » وبرغم اختلاف الاتجاه بين 
لميثتين سارت الجلة سيراً حسناً » ولم يحدث أى تنافر » بفضل مااتصف به يوسف 
السباعى من التسامح والاقتدار العجيب على تسيير الأمور. 

وازداد نجاح المجلة أدييًا » ولكن «إدارة الحسابات » فى دار الجمهورية 
قالت : لاء إن المحلة تخسر وهى ببذه الخسارة عبء كبير لاتتحمله الدار. . 
والواقع أن الخسران المادى جاء من تحميل ميزانية الجلة عبء المرتبات والأجور » 


1١ه‎ 


وهى محلة شهرية لايحتاج العمل فيها إلى هذه الكثرة من « الموظفين » فيها كبار 
وصغار . 

ماتت الرسالة الجديدة وفقدتها الحركة الأدبية » كا فقدت من قبل الرسالة 
القديمة » حقًا » لم تحل الجديدة محل القديمة وخاصة فى الوطن العربى الكبير» 
ولكنها كانت غيراً من عدمها . 

ثمة سؤال تقف إزاءه علامة الاستفهام :؟ ١‏ منتصبة تريد الجواب . . ماذا 
فعل يوسف السباعى للحركة الأدبية ؟ تتفرع من هذا السؤال أسئلة أخرى . . هل 
كان من المستطاع أن تقوم حياة أدبية فى مصر بدون يوسف السباعى فى الفارة الزمنية 
التى تبدأ بقيام الثورة سنة 14017 وتنتهى باغتياله فى قبرص 1919/8 ؟ وهل كان 
يمكن أن تكون هناك حركة أدبية وقد انحسرت كل الجهود والكفايات الأدبية عن 
الساحة الأدبية وآثرت البعد عن « وجم الدماغ 2.0 

لقد سار يوسف السباعى بمجلة الرسالة الجديدة شوطاً لابأس به » وفى الوقت 
نفسه أنشأ نادى القصة ثم جمعية الأدباء » ثم جمع فى هذه الجمعية الجمعيات 
الأدبية الأخرى » ثم أنشأ وهو وزير الثقافة - اتحاد الكتاب - وفى هذه الحيئات 
كلها تناحرت عناصر مختلفة ينك ر كل منها الآخر » ولكن يوسف السباعى صهرها 
م فى بوتقة الإدراك السليم والتسامح والرح . 

وكان قد عمل على إنشاء المجلس الأغلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم 
الاجّاعية » ولاينكر مافعله هذا امجلس للحركة الثقافية إلا جاحد » وليس ماشابه 
من تقصير أوإبطاء أوإهمال فى بعض الأعال إالامايكون عادة من اليئات 
الحكومية » على أنه برغم ذلك فعل الكثير بفضل يوسف السباعى . 

سواء بالجهد الشخصى أو عن طريق تلك الهيئات بما فيها الصحافة ووزارة 
الثقافة واتحاد كتاب آسيا وأفريقيا » جمع الأدباء والفتانين الكبار » وحقق 


١65 


الاستفادة بهم » ويسر لهم ماكان يستعصى من أمرهم ؛ وعمل على أن تمنحهم 
الدولة ماهم جديرون به واتاح الفرصة للشباب فى مختلف الميادين ١‏ فبرز منهم من 
برز حتى بلغ مابلغ . 

حقً كان هناك من يسيرون فى الركاب وينالون مالايستحقون . . وكان هؤلاء 
يحجبون الضوه ٠‏ عمن ينبغى أن يصل إليهم . . ولكن متى كان كل شىء فى هذه 
الحياة متينا لايخر منه الماء . . ؟ 

الأمر المؤكد أنه لم يعاد يوسف السباعى أحد عرفه » لأنه ل يكن يمئن على أحد 
من يحسن إلبهم » فينتبز بعض اللثام الفرصة للتخلص من جزاء الإحسان . . كان 
يشعر الإنسان بأنه أهل ل ناله » وأنه لافضل له فى هذا إلذى ناله . كان ينسى كل 
خير فعله . إذ يرى أنه عادى لايليق أن يأى غيره . 

ولو أن الذين غدروا به وقتلوه فى قبرص عرفوه مااستطاعوا أن يفعلوا . . مها 
كان ماانطوت عليه نفوسهم من شر. . ومها كانت الحوافز على ما أنوه من شر. . 
كان الإنسان يستيقظ فى أعاقهم فلايستطيعون أن يكونوا غير إنسانيين إزاء ذلك 
الإنسان ! ْ 

كل من هاجم يوسف السباعى أو أساء إليه لم يكن يعرفة. 

كان من ١‏ عبقريته ؛ فى التعامل مع الناس والاحتكاك بهم أن يقنع المخطئْ 
بخطئه بطريقة مرحة طويلة البال . . وعندما يرى المتخاصمين يحتدون فى الخصومة 
يستطيع بإدراكه السلبم أن يريهم تفاهة مايختصمون من أجله . ش 

كان لدى يوسف السباعى طاقة غير عادية » فهو إلى جانب اضطلاعه بأعال 
إدارية متعددة » وإلى جانب اهتّامه بالخير العام للأدباء والفنانين » لابنى عن 
الإنتاج الأدبى ؛ ولم يسترح منه ولم يشغله عنه شىء قط » وبعض ماكان يزاول 
ويتحمل من تبعات يصرخ منه الكثير من الأدباء ويتخذونه ذريعة للكف عن 


وها 


الإنتاج وسبياً إلى الكل الأد , 

وقد أكثر من الإنتاج الأدنى إكثاراً أخل عليه وقيل : لو تمهل وأجاد ! وكتيت 
مرة أنقد هذا الزعم » فقلت إن هذه هى طبيعته » ولابد أن تأخذ مجراها ٠‏ ولن 
يحدى شيعا تمهلة » وشببته بالقطار السريع الذى لاعئى لحيين إن أبطأ ؟ 

لقد ملا الدنيا وشغل الناس » بما لم يفعله أديب عربى فى قديم أوحديث . 
والغريب أنه شغل الناس ماعدا النقاد » فلم يظفر مهم بمايتناسب مع إنتاجه ) 
ونظروا إلى ماكتب تقديراً له على أنه ملق . . فكانته من السلطة جنت عليه من 
هذه الناحية » وقيل لمن وقف منه موقئ المنصومة الأدبية إنه - أى الواقف -.بطل 
عنيد » وهو فى الحقيقة ليس بطلا وإن كان عنيداً . 

قبل حادث اغتياله بأيام قرأت فى محلة الثقافة مقالا جيداً » ومن قبله مقالات 
جيدة محمد عبد الحادى محمود ى تقوم أدب يوسفل السباعى . وأرجو أن يستمر 
هذا الكاتب الناقد البصير على هذا المنوال حتّى يحبر ذلك النقص ويكفر عن النقاد 
بعض السيئات , 

ده 

لقد خلا يوسف السباعى مكانه » بعد أن ملا الدنيا بأععاله » وإنتاجه الأدبى » 
خلا مكانه فى الحركة الأدبية وكان أكبر محرك فيها » ولاأقول بأن أحداً لايسد 
مكانه » كا يقولون فى مثل هذه احالة » فالذى تنجه إليه الأنظار ليشغل المكان لن 
يشغل إلامكانه هو إن كان شخصية ولن يشفل أى مكان إن لم يكن شخصية . 

هكذا الحياة » يذهب الراحل بعد أن يؤدى دوره وبجىء 0 ليؤدى دوراً 


لير ولابتكرر الدور . ومن العبث أن نتحسر على الذاهب لأن مكانه خال ©» 


فقد ذهب ومعه المكان . 
تخليت عن مكافى إلى جوار صديق يوسف السباعى من نحو عشرة أعوام » منذ 


كا 


كنا فى مؤتمر كتاب آسيا وأفريقيا ببيروت سنة 21948 لم أسافر إلى موتمرات 
بعدها » كان هو الذى يدعونى إلى المؤنمرات . ٠‏ 

أفزعنى أن برانى الئاس لصيقاً به . يوم أعلن عن إصدار يحلة لكتاب آسيا 
وأفريقيا كتب محمود السعدنى يسخر كعادته التى كانت فى محلة « صباح الخير» 
ويقول : من سيكتب فى هذه الجلة ؟ فلان وفلان وعباس خضر. . ووصفنى بأى 
ركاتب مخنط ) . سامحه الله , 

وعندما أسندت رياسة تحرير محلة « آخخر ساعة » إلى يوسف السباعى كتب إلى 
عيرق ان أدباء الإسكندرية يعرض «١‏ خدماته ) فيها ٠.‏ ظانًا أ سألازم رئيس 
التحرير . | : 

وايتعدت عن محلة اسيا وافريقيا وعن ( اخر ساعة ) وعن يوسف السباعى . 
وحدث لى حادث كسرث فيه رجلى » وشعرت أن مكان يوسف البياض ف 
مواساق خال . , بويا لأنه لم يعلم فهو كثير المشاغل وأنا بعيد عنه » قلت فى 
نفسى : إلى بعيد عن عينيه فلابد أن أكون بعيدا عن قلبه . 

ووقع هوف أزمات صحية » وأجريت له عمليات طبية » فبادلته الإهمال . . 
وأنا - يطبي اللعيب - لسرعة غاملا ٠‏ ولسسث ا بقولونة. اجناعياً ول ألخاق 
بالخلق الإسلامى فأصل من قطعنى » ولعلى أفعل » أى أصل من يقطعنى إذا لم أره 
أعلى منى_شأنا . ' 

وكنا نلتق أحياناً فى اجيّاعات مجلس | إدارة اتحاد الكتاب » فنتبادل تحية 
عابرة » كأن لم يكن شىء من ود قديم أوجفوة جديدة . 

وأنصف نفسى إذ كنت أقول.فى نفمى |: إن ماشربته من وده فيا مضى يكفى 
بقِية حياقى ؛ وقد ذهب هوء كنا قشي انيه ؛ وبقيت أنا شبه معمر. . 
أجرع كؤوس ودهم القديم » وأشتاق إل ادى لن أثاله . . 


١ /اه‎ 









الترقيم الدولى كلوسر سلاف لأظكلا - 


10